حوارات ومقالات

"النسوية المتأسلمة".. مدخل لتمرير انحرافات الفكر النسوي

انتشرت النسوية المتأسلمة كبديل حداثي ليبرالي غير مصادم؛ فوجدت قبولاً عن النسوية الراديكالية كونها إقصائية مصادمة، وأصبحت سلّمًا لنشر الفكر النسوي، واستهدفت النساء في الصف الإسلامي بشكل خاص.
 
فما هي النسوية المتأسلمة؟ وما صلتها بالنسوية الغربية؟ وهل نجحت في الانطلاق من رؤية إسلامية واضحة؟
 
بين شرعة الله ونهج من سواه
 
خلقنا الله عز وجل وأودع في نفوسنا أسرارًا لا يعلمها إلا هو، ثم أنزل إلينا شريعة تنظم جميع علاقاتنا على اختلافها تنظيمًا دقيقًا شاملاً، وبما يتناسب مع أسرار وخبايا نفوسنا، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(الملك: 14). فعلاقتنا به سبحانه تخضع لأصول بينتها الشريعة بوضوح، كما علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقة الإنسان بالكون والحياة؛ فمن اتّبع هدى الله وصل إلى العلاقة الأجمل والأشمل مع خالقه، ومع أخيه الإنسان، ومع الكون والحياة؛ ففاز فوزًا عظيمًا في الدنيا والآخرة.
 
لكن الله عز وجل إذ خلق لنا الطريقين، طريق الخير وطريق الشر؛ ليميز الخبيث من الطيب، سلك من أعرض عن ذكره طريق الشر؛ فسعى حينًا لوضع قوانين جديدة تحكم علاقاته ظانًا بجهله أنها تحقق له السعادة المنشودة، وحينًا آخر تخفّى بالاستدلال بشرع الله استدلالاً خاطئًا يتناسب مع أهوائه، وقرأ النص قراءة فلسفية؛ ليخرج بها بقوانين جديدة تنظّم علاقاته على اختلافها، بما فيها علاقته بأخيه الإنسان، لا سيما علاقته بالجنس الآخر؛ فظهرت لنا ما تسمى بـ (النسوية المتأسلمة).
 
القراءة التأويلية
 
تتعدد تعريفات النسوية المتأسلمة وفقًا لتصورات المنتمين لها، ووفقًا لتعدد الأيديولوجيات التي يتبنونها، وقد قامت دكتورة إيمان العسيري في كتابها (النسوية الإسلامية وصلتها بالفكر النسوي الغربي) بضم المعاني التي أقروها في تعريفاتهم في تعريف جامع، عرّفت فيه النسوية المتأسلمة على أنها: "كل فكرة انطلقت من اعتقاد مبناه أن التمييز بين الجنسين ظاهرة تسود المجتمع المسلم، فمنهم من عدّ النص الديني قائمًا على التمييز، ومنهم من عدّ التمييز طارئًا على النص الديني؛ أُسقط عليه من خلال علماء الإسلام الذين بيّنوه على نحو ما أرادوا هم لا على نحو ما أراده الله ورسوله".
 
والناظر إلى التعريف السابق يرى فيه اتجاهين، واحدٌ رافضٌ للنص، وآخر مؤوّلٌ له، لكن الأول -الرافض للنص- قد خبا صوته، واختبأ في عباءة الثاني -المؤول للنص-؛ وذلك لرفض المجتمع المسلم للاعتداء على حروف النص، وهو ما عدّه أهل الإسلام ردّة صريحة، فنتاج ذلك كان التزام الاتجاه الثاني، واعتماد القراءة التأويلية بديلاً عن الرفض القاطع فكيف قرأت النسوية المتأسلمة النص؟ وعلى أي الأصول اعتمدت؟
 
أصول النسوية المتأسلمة
 
قدمت النسوية المتأسلمة قراءة جديدة تأويلية للنص بناءً على أصول عدة، أهمها:
 
1- الزعم بأن النص تمت قراءته قراءة لغوية ذكورية (بالاستناد إلى علم الفيلولوجيا).
 
2- الزعم بأن النص تم تأويله ذكوريًا (بالاستناد إلى علم الهرمنوطيقيا).
 
3- الزعم بأن النص قد تشكل تفسيره في بيئة تاريخية معينة. (بالاستناد إلى التاريخانية).
 
4- الزعم بأن النص لا يمكن فهمه إلا من خلال المنهجية التفكيكية، التي تعطي أولوية لقارئ النص لا قائله (بالاستناد إلى التفكيكية).
 
وبما أنها تلتقي جميعًا في ذات الخط؛ حيث تعتمد على النتاج الفكري كمرجعية لحل قضايا المرأة، وتحرر نفسها من الشريعة، فسنكتفي ببيان أول أصل منها، وهو علم الفيلولوجيا.
 
فقه اللغة (علم الفيلولوجيا)
 
اعتماد النسوية المتأسلمة على فقه اللغة (علم الفيلولوجيا) كأصلٍ لدراسة التراث الفقهي، وفهم معاني النص فهمًا حداثيًا؛ جاء بناء على زعم منها أن اللفظ في العصور السابقة كان يؤوّل تبعًا لظروف الزمان والمكان، وبناءً عليه فإن ألفاظ الشريعة التي اعتنت بجسد المرأة، وحفظته من الامتهان هي خاصة بالزمان والمكان اللذين فهمت فيهما.
 
أما في زماننا هذا، فتفسير اللفظ بذات المعنى يعد سلبًا لإرادة المرأة الحرة، وتكريسًا لتفوق الرجل عليها، وفرض سيطرته الأبوية. وهو ما يدحضه النص القرآني حين كرم المرأة، وجعلها متساوية مع الرجل في جوانب (كالجانب الإنساني، والمعيار الأخروي) رغم اختلافهما في جوانب أخرى (كالقوامة، والطاعة، والقوة).
 
وكأمثلة على جوانب المساواة: جعل الله أساس التفاضل بينهما العمل الصالح؛ كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)، كما دحضه الفقهاء حين أقرّوا الأحكام الشرعية التي تماثل فيها المرأة الرجل في أصل التكليف، وشروطه، وأحكامه؛ كما في أبواب: الصلاة، والزكاة… إلخ.
 
النسوية المتأسلمة ومرجعيتها الغربية
 
الناظر للنسوية المتأسلمة ونظيرتها الغربية يجد أنه لا فرق جوهري بينهما، فهما يتفقان في المبدأ، ويختلفان في آليات التطبيق. فكلاهما ينطلق من مرجعية واحدة هي: ما نصت عليه المؤتمرات الدولية من توصيات، بعدم طغيان العمل بالشريعة الإسلامية على معاهدة حقوق المرأة الدولية المسماة بــ(سيداو).
 
وفي حين تركز النسوية الغربية اهتمامها على المرجعيات الغربية، تركز نظيرتها المتأسلمة على الأحكام الإسلامية ونصوص الشريعة، فهي وإن لم تظهر العداء للنص الشرعي صراحةً؛ لكن ماديتها ومرجعيتها العلمانية تظهر جليةً في تأويلها للنص، فهي إذن لا يغيب عنها الحق، وإنما تغيّبه بشكلٍ متعمّد!
 
إلى جانب ذلك حين وجد العلمانيون رفضًا من المجتمع المسلم للنسوية، وما تتبناه من أفكار محاربة للإسلام، داعية لتحرير المرأة من أوامر ومبادئ كفلت لها كرامتها، وكفتها أمر دنياها لتتطلع لأمر آخرتها؛ بحثوا عن أرضية مشتركة للنسوية والدين؛ بحيث تحقق أهداف النسوية، ولا تتعارض مع الدين بشكل واضح؛ فكانت النسوية المتأسلمة!
 
ومما لا ينكره عاقل أن لابس ثوب الإسلام المحارب له خفيةً، أخطر على الإسلام من المحارب العلماني ذي العداء الظاهر للعيان.
 
فإن أردت نظرة موضوعية إلى ما حققته النسوية المتأسلمة؛ فهاك حقيقة لا يجوز تجاوزها، وهي: إن النسوية المتأسلمة على الرغم من خروجها عن حدود المرجعية الإسلامية إلى حدود المرجعية النسوية -بما فيها من مادية وفلسفات بعيدة كل البعد عن الإسلام- إلا أنها قد توغلت في المجتمع المسلم بشكل يدعو للقلق؛ إذ دخلته بلسانٍ عربي، وأقلام مسلمة ظاهريًا.
 
الإسلام والنسوية.. طريقان مختلفان
 
تقول الدكتورة إيمان العسيري حول النسوية المتأسلمة: "التوفيق بين النسوية والإسلام -الذي يسمى بالنسوية الإسلامية- من خلال مسميات مراجعة الفقه الإسلامي، وإعادة قراءة النص الديني وغيره منهجٌ لم يخلص دينه لله، وشابته شائبة نفاق، قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 61-62].
 
إن المرجعية النهائية التي يرجع إليها المسلم هي: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ}، والمرجعية النهائية التي ترجع إليها النسوية هي: طاغوت الحرية المطلقة المنفلتة، الذي أمروا أن يكفروا به. وربما استغلت النسوية الإسلامية بعض أحكام القرآن والسنة التي جاءت في سياق تكريم المرأة؛ ولكن مهما حصل من التقاء في بعض النقاط في هذين الطريقين إلا أن لكل طريق غايته، وأصوله، ومعالمه التي يتميز بها عن الطريق الآخر، والتوفيق بينهما منهج نفاق {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا}". (1)
 
 
موضوعات ذات صلة:







 
 
 
 
________
 
* المصدر: موقع السبيل، 19/10/2022، باختصار وتصرف.
 
(1) مصدر للاستزادة: النسوية الإسلامية وصلتها بالفكر النسوي الغربي، إيمان بنت محمد العسيري.