حوارات ومقالات

"الوثنية الأنثوية".. دين النسوية الجديد

تتراوح رؤية النسوية للدين بين كتلتين كبيرتين: إحداهما تحاول العبث بالدين من داخله، من خلال التلاعب بالنصوص والآثار. أما الكتلة الثانية فإنها ترفض الدين السماوي جملة وتفصيلاً، وترى الذهاب إلى الروحانيات الأرضية كبديل مصطنع. والجامع بين الكتلتين الكبيرتين -فيما يبدو لنا- هو رفض الدين بصورته السماوية الصافية، ومن ثم تكون محاولات العبث به من داخله أو رفضه بصورة فجة وواضحة وصريحة من قبل غلاة النسوية.
 
ولن يكون جل تركيزنا على التوجه النسوي، الذي يعبث بالدين من داخله، وإنما سنشير إليه إشارة عابرة، وسيحتاج إلى مزيد من البيان، وسيكون الحديث مفصلاً بعض الشيء عن النسوية اللادينية.
 
أولاً- الرؤية النسوية والأديان السماوية:
 
في كل دين سماوي، وجد تيار نسوي يسعى إلى تطويعه لخدمة الأغراض والأهداف والتوجهات النسوية، على النحو التالي:
 
1- نسوية يهودية:
 
وهي حركة تسعى إلى ما تصفه بتحسين الوضع الديني والقانوني والاجتماعي للمرأة، فالنسويات اليهوديات يطالبن بالحقوق المتساوية في الزواج، والسماح بالطلاق والسماح للمرأة بتولي المناصب القيادية في الكنيس اليهودي، وحقها أن تكون حاخاما.
 
2- نسوية مسيحية:
 
وهي حركة تسعى إلى المساواة بين الرجل والمرأة في شتى المجالات، ويطالبن بحق المرأة في أن تكون في قيادة الكنيسة، ويجادل النسويات المسيحيات بأن مساهمات النساء ضرورية لفهم كامل للمسيحية. وقضايا الحركة الرئيسة تشمل ما يسمى بسيامة النساء (تولي المناصب الدينية)، وسيطرة الذكور في الزواج المسيحي.
 
3- نسوية إسلامية:
 
وهي حركة تنتقد تعدد الزوجات، وتطالب بالمساواة في الإرث، ويؤمنون بأن المرأة يمكن لها قيادة الدولة، ويقبلون بالسماح للمرأة بأن تؤدي الصلاة في مجموعة مختلطة، بدلاً من أن تؤدي الصلاة في أماكن مخصصة للمرأة، ويطالبن بفتح باب واسع من أبواب العلاقات الإنسانية المختلطه الشاملة، ومنهن من لا يعارض الحجاب والنقاب، باعتباره مبني على حسب العادات والتقاليد، ومنهن من تعارضه بقوة؛ بداعي أنه من تجليات الثقافة الذكورية القهرية، وليس من الدين في شيء. فهي حركة لا تعادي الدين الإسلامي أو الحجاب -بحسب ادعاء بعضهن- بل تحارب سيطرة رجال الدين الذكور على النساء، وتدعو في هذا الإطار لحرية الجسد، وحق ارتداء الحجاب أو خلعه دون وصاية، مع نقض المفاهيم السائدة حول المرأة.
 
ثانيًا- النسوية اللادينية:
 
ترى النسوية اللادينية أن إنصاف المرأة، وإيجاد الحلول لكافة قضاياها، يقوم بالأساس عبر التخلي عن المنطلقات التي كونت النظرة السلبيىة للمرأة، وهي العقائد والأعراف الدينية والشرائع السماوية، باعتبار أن هذا الوضع للمرأة هو إفراز لتلك النظرة في التراث الديني. وعند هذا الحد من التصور النسوي عن الدين، واعتباره قطب الرحى في ظلم المرأة، جاء تيار نسوي متطرف يطالب بتغيير البنى الاجتماعية الدينية، باعتبارها متحيزة للذكر.
 
وفي داخل هذا التيار نشأت النسوية اللادينية أوالوثنية النسوية (femal paganism) أو دين المرأة الجديد، الذي يقوم على أساس تأليه المرأة، مقابل الأديان الذكورية، التي فيها الإله ذكر، فلا بد للمرأة أن تكون إلهًا في الدين الجديد!
 
وبناء على هذه الأفكار، نشأ مذهب داخل هذه الحركة في المجتمع الغربي يسمى المذهب النسوي البيئي (Ecofeminism) يكون الرب فيه مؤنثا، وأظهروا له تماثيل بشكل المرأة تسمى الآله  (Godess)، واسترجعوا تاريخ الوثنيات القديمة، التي ألّهت الطبيعة في مجتمعات آسيوية وأفريقية قديمة، ليضعوه كأحد مسوغات هذا الفكر الجديد بوجهه النسوي المتطرف.
 
الرؤية والتوجهات:
 
تقوم النسوية اللادينية على مجموعة من الأسس والمبادئ، هي:
 
1- تحرير المرأة يأتي من خلال إسقاط الفكر الذكوري عن المعتقدات والرسالات والممارسات الدينية، واستبدال هذا الفكر بدين وثني نسوي جديد، تكون فيه الإله الأنثى هي المعبودة الوحيدة.
 
2- الدين بكل تجلياته يدعم النظام الأبوي البطريركي بهيمنته الذكورية، والذي أقامه الذكور لحماية وتمديد سلطتهم على المرأة، ومن ثم يمكن القول بأن الدين مصدر رئيس لاضطهاد المرأة وعدم المساواة بين الجنسين.
 
3- يترتب على ذلك -عند النسوية اللادينية- ضرورة التخلي عن الأفكار التي أخذت صفة القدسية، ويعنون بها هنا نصوص الوحي والتراث الديني بجملته.
 
4- رجال الدين تلاعبوا بتفسير التعاليم الدينية، واستغلوا سلطتهم الدينية للانتقاص من قدر المرأة، في انتهاك صارخ واستغلال لرغباتهم الذكورية فقط.
 
5- المجتمعات التي يسود فيها الدين، ويسيطر فيها على تفاصيل الحياة، هي مجتمعات نمطية تقليدية، أي ذكورية أبوية، تحتل فيها المرأة صفة مواطن من الدرجة الثانية وأهلية ناقصة.
 
تفسير كراهية النسويات للدين:
 
لعل سؤال يتبادر إلى الذهن عن سبب كراهية النسويات للدين، على اختلاف في الدرجة بينهن، والإجابة نلتمسها في عدد من الأسباب التالية:
 
1- صورة المرأة في التراث اليهودي والمسيحي، فالمرأة في هذا التراث هي أصل الخطيئة؛ لأنها هي التي أغرت آدم بالخطيئة، عندما أكل من الشجرة، فالرب عندما فعلت هذا الفعل حكم بسيادة الرجل عليها نهائيًا، وقد ترتب على هذا الموقف أحكام وأوصاف أخرى للمرأة في هذا التراث، فهي شيطانة، وأنها ملعونة، وليس لها روح تستحق من خلالها أن تدخل الجنة، بل الأغلب أنها تدخل النار، ولا توجد امرأة لديها فضيلة يمكن أن تدخلها إلى الجنة. 
 
2- موقف العديد من المفكرين والفلاسفة الغربيين تجاه المرأة، بداية من أفلاطون الفيلسوف اليوناني المشهور، الذي يصنف المرأة في عدد من كتبه ومحاوراته مع العبيد والأشرار والمخبولين والمرضى! إلى الفلاسفة المتأخرين مثل ديكارت، من خلال فلسفته الثنائية، التي تقوم على العقل والمادة، فيربط العقل بالذكر ويربط المادة بالمرأة.
 
والفيلسوف كانط -أحد آباء الفلسفة الغربية- يصف المرأة بأنها ضعيفة في كافة الاتجاهات، بالذات في قدراتها العقلية، كذلك فيلسوف الثورة الفرنسية جان جاك رسو، الذي يرى أن المرأة وجدت من أجل الجنس، ومن أجل الإنجاب فقط، وفرويد -رائد مدرسة التحليل النفسي- يرى أن المرأة جنس ناقص، لا يمكن أن يصل إلى الرجل أو أن تكون قريبة منه.
 
3- التراجع الديني في كل أنحاء أوروبا، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، فمعدلات تأثير الكنيسة في تراجع، واحتمالات التدين باتت ضعيفة، خاصة بين الفتيات. وهذا التراجع الديني، ترك مساحة واسعة للعلمانية التي ترفض وجود الدين في الحياة العامة، وتراه لا يتعدي حدود المجال الخاص، وهي المبادئ التي تتماهى مع التوجهات النسوية، فالمفكرات النسويات البارزات غالبًا علمانيات؛ بسبب عدم التوافق بين حياة النسويات العامة الملئية بالمخالفات، وتعاليم الدين السماوي.
 
4- انتشار المبادئ الروحانية الأرضية، التي قد تشبع بعض رغبات النسويات، وتتوافق مع توجهاتهن ورغباتهن، مثل اليوجا، الريكي/العلاج بالطاقة والويكا، والتي تدعم  المساواة المطلقة بين الجنسين.
 
الإعلام ودعم الوثنية الأنثوية:
 
وقد تركت النسوية اللادينية تأثيرها في المجال الإعلامي والثقافي بوضوح، ومن أبرز الأعمال التي تعكس هذا التوجه:
 
1- كتاب (شفرة دافنشي) لدان براون، والذي يتحدث بإيجابية وبشكل متكرر عن جانب من الوثنية، هو عبادة الإلهة الأنثى، أو (الأنثى المقدسة). ويزعم في كتابه أنها كانت جزءًا من شكل العبادة الأصلي، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية حرفت الإنجيل للقضاء عليها.
 
2- المسلسل الهندي (من النظرة الثانية)، الذي قامت قناة (إم بي سي بوليود) بدبلجته إلى العربية، والذي نال شهرة واسعة جدًا، حيث تم تقديم (أرناف) كرجل ملحد، لا يؤمن بأي إله، بينما كانت "كوشي" تلك الفتاة الطيبة البسيطة الرقيقة، فتاة متدينة جدًا وتعبد إلهة أنثى (الإلهة ديفي)، وتحمل نموذجًا مصغرًا لها معها في كل مكان، وتناجيها وتحكي لها وتطلب مشورتها، وتدور كثير من الحوارات بين كوشي وأرناف حول الدين، وهي حوارات تحمل في المحصلة النهائية الدعوة للوثنية النسوية.
 
3- من الشخصيات البارزة في هذا التوجه النسوي اللاديني، الكاتبة الأمريكية ستارهوك، التي تدعو إلى ديانة تتركز حول عبادة إلهة مؤنثة، وتجعل المقدس هو النفس والعالم الطبيعي، وذلك في عدد من مؤلفاتها مثل (الراقصة الحلزونية: الميلاد الجديد لدين الإلهة الكبرى القديم) 1979م. وعلى دربها كانت أوفيليا بنسون وجيرمي ستانجروم اللاتين أصدرتا عام 2009م كتابًا بعنوان: (هل الإله يكره النساء؟).
 
نظرة نقدية:
 
على الرغم من التهافت الواضح للنسوية اللادينية، إلا أن أبرز المآخذ على هذا التوجيه تكمن في عدة عناصر:
 
1- ثمة جهل مطبق بتعاليم الإسلام، وكافة الأديان السماوية، يبدو جليًا من وصفهن الإله المعبود بأنه ذكر، والله سبحانه وتعالي منزه عن ذلك، كما وصف نفسه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى: 11).
 
2- على الرغم من الانتقاص من قدر الدين ومحاولة تهميشه، وادعاء أنه السبب الرئيس لظلم المرأة، إلا أنه لا يوجد طرح نسوي جاد، يدعم هذه الترهات، خاصة ما يوجه إلى الإسلام، فكلها من قبيل العموميات التي يعزوها المنهج العلمي والرصانة الفكرية.
 
3- دعاة النسوية اللادينية يجتزئون القضايا لخدمة فكرة مسبقة، يحاولون الدعوة إليها وترسيخها في وجدان الشعوب المسلمة؛ دعمًا لفكرة أنه لاسبيل للجمع بين الإسلام كدين وحقوق المرأة، باعتبار أن الإسلام هو ركيزة اضطهاد المرأة.
 
4- التطرف النسوي قد بلغ مداه وذروته، إذ انتقل من مجرد البحث عن إنصاف المرأة وحقوقها إلى عبادة المرأة والأنثى، وهو ما يوحي بأنه تيار لاحدود لغلوه وتطرفه.
 
 
موضوعات ذات صلة:
 
 
 
 
 
 
  
 
_________
 
* المصدر: موقع لها أون لاين، 29/3/2017، بتصرف يسير.
 
المراجع:
 
1- موسوعة ويكبيديا.
 
2- دعاوى النسوية: محاولات لتزييف موقف الإسلام من المرأة، فاطمة عبد الرءوف، موقع طريق الإسلام. 

3- الحركة النسوية الغربية ومحاولات العولمة، إبراهيم الناصر، موقع صيد الفوائد.

4- سارة جامبل النسوية وما بعد النسوية (دراسات ومعجم نقدي)، ترجمة أحمد الشامي، المجلس الأعلى للثقافة مصر، الطبعة الأولى، 2002م.

5- لماذا تكره النسويات الدين؟ هند مسعد محمد، موقع إضاءات.

(6 موضوع)

كاتب مصري، ومدير مركز نهضة أمة للدراسات الإنسانية.