حوارات ومقالات

بلى.. "المثلية الجنسية" جريمة

عبارات وصيغ عجيبة غريبة يطالعنا بها «حماة الحرية»، ودعاة الإباحية، وناشرو الفساد، عبر ادعائهم أن المثلية الجنسية هي حرية شخصية وليست جريمة، وآخر هذه الادعاءات كان إصدار موقع «المفكرة القانونية» فيديو تحت عنوان «المثلية ليست جريمة»، في دعوة منه لتعريف الشواذ بحقوقهم، وفي سعي منه لتعديل المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني، التي تنص على أن "أي مجامعة خلافاً للطبيعة يعاقب عليها بالسجن لمدة تتراوح بين شهر وسنة واحدة، وبغرامة تتراوح ما بين 200 ألف ومليون ليرة لبنانية".
 
إن هذا التحرك من أجل تعديل هذه المادة ليس الأول من نوعه في لبنان، بل سبقته تحركات كثيرة من أجل تغيير الصورة النمطية لهؤلاء الشواذ، ومساعدتهم على تقبل شذوذهم كأمر طبيعي فطروا عليه، وكذلك دعوة المجتمع اللبناني إلى تقبلهم، وتغيير المفاهيم والعادات التي كانت تسخر منهم وتحط من قدرهم. 
 
وسائل تغيير أوضاع الشواذ
 
ومن هذه التحركات إدخال مصطلح «المثلية» عوضاً عن مصطلح «الشذوذ» في القواميس الإعلامية؛ مما جعل سماع كلمة «المثلية» أخّف وطأة على المجتمع من السابق.
 
إن الوسائل المستخدمة لتغيير وضع الشواذ في لبنان متعددة، منها: 
 
1- الظهور العلني لهم، وخاصة في وسائل الإعلام، في محاولة منهم لجعل الناس يرون التنوع الجنسي وجهاً لوجه، ولإجبارهم على مواجهة الواقع عوضاً عن مواجهة النظرية. ذلك أن "الظهور العلني المتزايد هو جزء من استراتيجية طويلة الأمد للتقدم والحماية، وفي ذلك يقول أحد أعضاء جمعية «حلم» المدافعة عن حقوق الشواذ : "ثمة لحظة عليك فيها اتخاذ قرار تكتيكي، والقول حسناً لنظهر في الصحف، وعلى شاشة التلفزيون، ولنطبع ملصقاً يحمل شعارنا، ولننشىء موقعاً الكترونياً". وقد أنجزت خطة إضافية في آذار مارس 2005، مع إطلاق أول مجلة للمثليين في العالم العربي اسمها «برا» تقع في 24 صفحة من الورق اللماع، وقد بوشر بتداولها في بيروت.
 
2- دعم الدراسات التي تدعي تزايد أعداد الشواذ جنسياً في المجتمع اللبناني، في محاولة لبيان مدى قوتهم وانتشارهم بين الناس. من هذه الدراسات تلك التي نفذها قسم العلوم النفسية في «الجامعة الأمريكية في بيروت»، والذي ورد فيها أن 18% من مجمل الشعب اللبناني هم من مثليي الجنس، مما يعني أنهم يشكلون نسبة عالية جداً. وكذلك دراسة أخرى غير رسمية أجرتها جمعية «حلم»، بناء على عيّنات صغيرة أشارت أن 10% من شرائح المجتمع اللبناني هم من الشواذ المثليين.
 
إن هذه الأرقام، التي تحاول الجهات الداعمة تضخيمها، من أجل الإيحاء بقوتها، ومن أجل الزام الدولة بتعديل القوانين التي تجرم الشذوذ، وعلى رأسها المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني، تستفز الغالبية العظمى من الشعب اللبناني الرافض للشواذ، وفق استطلاع أجراه مركز بيو للدراسات سنة 2007، والذي جاء فيه أن 79 في المئة من اللبنانيين يعتقدون أنه " ينبغي رفض المثلية الجنسية"، على عكس 18% ممن يظنون أنه "ينبغي قبول المثليّة الجنسية".
 
إلا أنه مع هذا الرفض الشعبي لهم، فإن هناك عوامل كثيرة ساهمت في تزايد أعدادهم وخروجهم إلى العلن، حتى بات لهم أماكنهم الخاصة التي عادة ما تكون حانات ليلية ومقاه صباحية، وأصبحوا يجاهرون بفعلتهم في كل مكان، حتى في المدارس والجامعات.
 
3- الدعم المحلي لهم من قبل جمعياتهم الخاصة، مثل «جمعية حلم» اللبنانية، وهي أول جمعية تأسست في العالم العربي لدعم الشواذ، فقد أصبحت هذه الجمعية ملاذاً لكل شاذ، ليس فقط من لبنان ولكن أيضاً من الدول العربية، حيث أصبحت المكان الأكثر أهمية بالنسبة للشاذين الجنسيين العراقيين والسوريين.
 
4- تدخل المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية من أجل دعم هؤلاء الشواذ، ومن هذه المنظمات: منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايس ووتش، التي أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عن هؤلاء الشواذ داخل دولهم. وكذلك كتابة التقارير والتوصيات لحكومات هذه الدول حول حقوقهم المهدورة «بزعمهم». ومن نماذج تدخل هذه المنظمة في لبنان مطالبتها وزارة العدل اللبنانية بإصدار الأمر بإنهاء الفحوصات الشرجية، التي تتم ضمن إجراءات تحقيق الشرطة لتحديد طبيعة السلوك الجنسي للمشتبه بهم، كذلك طالبت الوزارة بتتبع ما ذكرته نقابة الأطباء اللبنانية، التي أعلنت تنديدها بهذه الفحوصات؛ كونها من أشكال التعذيب.
 
والجدير بالذكر بأن هذه المنظمات تتحرك في إطار لوبي عالمي، مركزه الولايات المتحدة الأميركية، ومهمته الدفاع عن الشاذين جنسياً وقضاياهم. وهو يقوم بدور أساسي في الانتخابات الداخلية في أمريكا. وقد تبنى الرئيس الأمريكي أوباما أفكار هذا اللوبي الذي ساهم في إيصاله إلى سدة رئاسة الجمهورية مرتين. 
 
5- تراخي الحكومة اللبنانية مع الشواذ وجمعياتهم، فعلى الرغم من أن السلطات اللبنانية لا تتعامل بود مع جمعية «حلم»، إلا أنها لم تفعل شيئاً لتقيد حركتها. وقد استغلت هذه الجمعية الوضع السياسي المتأزم في البلاد منذ العام 2005 لتثبت وجودها. 
 
ويرجح البعض سبب تراخي الحكومة اللبنانية في مواجهة الشذوذ هو انحدار قطاع السياحة، وحتى لا يعطلّون التدفق الحاسم لدخل السياحة، فقد ورد في تقرير موقع «ميديا لاين» الأميركي: "بيروت وتل أبيب تتنافسان في السياحة المثلية في الشرق الأوسط"، فالأولى عاصمة تستقبل الجميع من الشرق الأوسط، أما الثانية فهي مغلقة على شريحة من الفلسطينيين والوافدين من أوروبا.
 
محاولات إلغاء تجريم الشذوذ
 
إن من الأمور التي يطالب بها حماة حقوق الشواذ في لبنان هو إلغاء المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني، الذي يحرم الشواذ، ويستشهد بذلك بثلاثة أحكام صادرة من المحاكم اللبنانية.
 
الحكم الأول صدر في العام 2009 عن القاضي المنفرد الجزائي في البترون «منير سليمان»، حيث أعلن أن المادة 534 غير قابلة للتطبيق؛ لأن العلاقات المثلية لا تعتبر خارجة عن الطبيعة.
 
وهذا الأمر يتنافى مع غالبية الدراسات النفسية والتشريحية الصادرة في الغرب، منذ منتصف القرن الماضي حتى اليوم، حيث أكدت بأن الشذوذ الجنسي ليس أمراً فطرياً، بل هو نتيجة تداخل عوامل عديدة، كالبيئة الاجتماعية والتربوية، إضافة إلى تأثير وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعية.
 
أما الثاني فجاء من القاضي المنفرد الجزائي في جديدة المتن «ناجي الدحداح»، الذي أصدر حكماً بتاريخ 28/1/2014، قضى بتبرئة متحوّلة جنسياً، بعدما تم الادعاء عليها على أساس أنها تقيم علاقات مع ذكور. 
 
والثالث جاء بتاريخ 5/5/2016، حيث أصدر القاضي المنفرد الجزائيّ في المتن «هشام القنطار» قراراً قضى بإبطال التعقّبات بحقّ شخصٍ أدُعي عليه، سنداً للمادة 534 من قانون العقوبات، وهي المادة التي تُستخدم عادةً لتجريم العلاقات المثليّة، وقد أسهب القرار في تحليل المادة 534؛ ليصل إلى استنتاجٍ يقضي بأن عبارة «مجامعة على خلاف الطبيعة» الواردة فيها لا تنطبق على فعل العلاقة الجنسيّة الحاصلة بين شخصين من الجنس نفسه.
 
إلا أنه على الرغم من التوجه العام من قبل القضاة للاجتهاد فيما يخدم قضايا الشواذ، فقد صدر مؤخراً في 10/6/ 2016، اجتهاداً من قبل القاضية في محكمة الجنايات «هيلانة إسكندر» في قضية اكتساب المعاهدات الدولية الموقعة والمصادق عليها رسمياً مرتبة تسمو على القوانين الوضعية الداخلية، وتكرس مبدأ سموها على القانون الداخلي. 
 
وفي الحيثيات رفضت القاضية هذه النقطة القانونية، التي أثارها محامو مُدَعى عليهم في معرض قضية جنائية، يشمل الادعاء الجنحي فيها موكليهم في مسألة المثلية؟ لقد اعتبروا أن أفعال موكليهم لا تشكل جرماً جزائياً، لتعارض المادة 534 مع المعاهدات الدولية، والاعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي صادق لبنان عليه. وردّت محكمة الجنايات في تعليلها على ما أثاره محامو الدفاع، وانتهت إلى إدانة موكليهم بمقتضى القانون اللبناني. 
 
وبررت القضية «هيلانة إسكندر» سبب تمسكها بتطبيق القانون اللبناني في هذه الحالة قائلة: إن "الفقه الفرنسي اعتمد بغالبيته على النظرية الآيلة إلى عدم الأخذ بالمفعول الآني لأحكام المعاهدات الدولية، في حال تعارضها مع أحكام القانون الداخلي، لافتة إلى أن المحاكم الفرنسية لا تعترف بحق المتقاضين في التذرع مباشرة أمامها بالقواعد القانونية المكرسة في المعاهدات الدولية، رغم أن لكل معاهدة دولية قوة إلزامية بالنسبة إلى أطرافها. ولاحظت أن القانون الدولي العام لا يعتبر مصدراً مباشراً لقواعد قانون العقوبات، إلا إذا تبنت قواعده تشريعاً جزائياً داخلياً صادراً عن السلطة التشريعية في الدولة. 
 
وتأكيداً لهذا الاتجاه، فإن البلدان التي شرعت العلاقات المثلية والزواج بين المثليين، كرّست ذلك بقوانين وضعية، ولو كانت تعتبر هذه العلاقات طبيعية لما كانت الحاجة إلى تكريسها بنص قانوني. فالمشرع اللبناني جرَم العلاقات المخالفة للطبيعة، ويقتضي الاعتبار أن العلاقة المثلية هي علاقة مخالفة للطبيعة، وفقاً للمعايير المقبولة في المجتمع اللبناني، باعتبار أن العلاقات الجنسية الطبيعية في مجتمعنا هي التي تكون بين المرأة والرجل، وليس بين أفراد من جنس واحد، ولو أراد المشرع مجاراة القوانين الأجنبية لنص على ذلك صراحة، وبوجود النص يقتضي إعماله لا إهماله".
 
إن هذا الاجتهاد الجريء من قبل القاضية إنما يدل على وعي بعض القضاة لما يخطط له من تدمير للمجتمع، عبر رفع الجرم عن الشذوذ الجنسي، وعبر الإعلاء من شأن الاتفاقيات الدولية، التي كثيراً ما تخالف الأديان والأخلاق والأعراف والتقاليد.
 
أخيراً نختم هذا المقال بالقول إن مسؤولية حماية المجتمع اللبناني من الفكر الشاذ هو مسؤولية دينية وأخلاقية بالدرجة الأولى؛ لأن في السكوت عنها تحت حجة الحرية الفردية، إهدار لحرية شعب بكامله له الحق في حماية مجتمعه من هذه الآفة المخالفة للعقل والدين والخلق.
 
المصدر: موقع إشراقات، 31/1/2017، بتصرف يسير.
 
 

(11 موضوع)

أستاذة بكلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية، بيروت، لبنان