حوارات ومقالات

لماذا تكره الرأسمالية الأسرة وتسعى لتفكيكها؟

  • عدد المشاهدات : 395

من بين الأشكالات الواضحة التي يتجلى من خلالها المأزق التاريخي للنظام الرأسمالي، بالإضافة إلى عدم وجود وظائف جيدة وانخفاض أجور الشباب الذين يدخلون سوق العمل، فإنه يعبر عن نفسه أيضا من خلال التفكك الواسع للعلاقات الإنسانية، بما في ذلك مؤسسة الأسرة النووية.
 
فالرأسمالية تقلب الأسرة إلى وحدات اجتماعية تخدم أهدافها، وتوفر لها الأيادي العاملة لاستمرار عجلتها، لكنها لا تصنع ذلك بالقهر المادي وحده، وإنما تعتمد أيضًا على القهر المعنوي، من خلال تبديل الرؤى والتصورات حول العمل المادي، وتحويله من وسيلة للعيش إلى قيمة في حد ذاته، وأن يصبح هدفًا محوريًا من وجود الإنسان، مهما تأخرت راحة المرء النفسية أو تأثرت أدواره الاجتماعية والأسرية. 
           
الرأسمالية وإخراج المرأة من بيتها
 
أدى توسع رأس المال، تحت شعار الرأسمالية الأول: "دعه يعمل دعه يمر"، والذي يحدد قيمة الشيء بحسب ربحيته فقط، بالإضافة إلى انتشار العمل لقاء الأجور في مؤسسات الرأسمالية إلى تحول عميق في بنية الأسرة النواة ووظيفتها وأيديولوجية الحياة الأسرية. فقد بدأ الأمر -كما يخبرنا جون ديميليو، الكاتب والمؤرخ الأمريكي- مع تأسيس المستعمر الأبيض لقرى مبنية على الإنتاج المنزلي.
  
غير إنه، ومع دخول القرن التاسع عشر، بدأ نظام الإنتاج المنزلي هذا في التقلص، ليتبعه استثمار أصحاب رؤوس الأموال من التجّار في إنتاج المنتجات، فشاع العمل مقابل الأجر، وجُذِبَ الرجال والنساء من اقتصاد منزلي مكتفٍ بذاته -إلى حد بعيد- نحو نظام رأسمالي يعتمد على العمالة الحرة، لتخرج المرأة -بصورة غير مسبوقة تاريخيًا- من أجل العمل لدى الغير مقابل الأجر.
 
وهو الأمر الذي بدأ بسيطًا بعض الشيء، فلم تكن تستمر المرأة بعد الزواج في عملها غالبًا، في حين إن الأمر قد استحال إلى وضع دائم للرجال. وما هما إلا قرنان من الزمن، حتى حدث هذا التحوّل، من الاقتصاد المنزلي المعتمد على الأسرة إلى اقتصاد رأسمالي يَرْتكِز على العمل الحر؛ مما يعني أن الأسرة، وإن بقيت متكافلة كما في نظام الإنتاج المنزلي السابق، لكنها، على الحقيقة قد فقدت استقلالها.
 
كانت الرأسمالية إذن هي الباب الذي خرجت من خلاله المرأة خارج نطاق الأسرة، لتشارك الرجل تحت دعاوى المساواة التي لا يمكن التصالح معها دائما؛ لأن الاختلاف بين الرجل والمرأة حقيقة جلية، وليس الحديث عنه إلا تحصيل حاصل لا يحتاج إلى إثبات ولا إلى تدليل، بداية من الاختلافات الجسدية، مرورًا بالوظائف الحيوية للمرأة في الاجتماع الإنساني وليس انتهاء بالجانب العاطفي.
 
تلك الفروقات التي كانت تحفظ للأسرة اتزانها في حال خروج الرجل للعمل، لم تعد تفعل الشيء نفسه عندما ألغتها الرأسمالية باقتناصها للمرأة من منزلها إلى السوق والمصنع، ودعمت ذلك بتوحيد طرق التدريس والتعليم التي تؤهل المرأة كما تؤهل الرجل لسوق العمل، كتروس في آلة الإنتاج، بالصورة التي يعلق عليها الكاتب المصري جلال أمين قائلاً: "دع المرأة تخرج من سجن العرف والتقاليد لتدخل سجن السوق بمنتهى الحرية".
 
   التمركز حول الأنثى وتفكيك الأسرة
 
النظر إلى عمل المرأة -بصفته مؤثرًا على دورها الأسري- يفتح التساؤل حول واقعية هذا الأثر وضرره، وما إن كانت الرؤية الفكرية للعصر المادي/الرأسمالي لها دور في صنع ذلك الأثر. وبالنظر إلى ذلك، فإن الدكتور عبد الوهاب المسيري يرى أن النموذج المادي الغربي قد انتقل بالإنسان عبر مراحل متعددة، فبدأ من التمركز حول الإنسان، ثم انتقل إلى التمركز العنصري حول جنس/عرق بعينه (الجنس الأوروبي في حال الاستعمار)، لتنشأ من بعدها حركات تمتاز بنظرتها العنصرية تجاه الآخر، كالفاشية والنازية، ثم يمد الخط على استقامته ليضع (الفيمنيزم) في السلة نفسها.
   
فالفيمنيزم عند المسيري ليست تعبيرًا عن النسوية بقدر ما هي حركة تدعو للتمركز حول الأنثى في عداء مع الذكر، وهو السياق الذي يحقّر من دورها الأسري، ويضرب بقيمته عرض الحائط؛ لأن القيمة في المنظومة المادية/الرأسمالية تنحصر فيما يمكن التعبير عنه بالمال. فالعمل ما لم يكن ذا عائد مادي فإنه -حسب هذه الرؤية- لا يمكن تعريفه على إنه عمل.
  
الأمر هنا -أي التمركز المادي حول الأنثى- يتجاوز فكرة الحقوق والواجبات النسوية، وإنما ينطلق إلى الأساس الأسري نفسه لنسف اعتباريته، وتحديد قيمة المرأة فيما تثمره يداها في محيط دائرة الرأسمالية، فتقول سيمون دي بوفوار -إحدى أبرز المؤسسات للفيمنيزم-: "إن المرأة ستظل مستعبدة حتى يتم القضاء على خرافة الأسرة وخرافة الأمومة".
 
داخل هذه المنظومة تتحول المرأة من إنسان إلى كائن مادي لا يُفسَّر إلا في إطار المادة، بعد اضمحلال دورها العاطفي والمعنوي، بحيث لا تشير إلى ذاتها وإنما تشير إلى المادة، فهي حينها امرأة، فقط امرأة، لكنها لا تدل على الأم/الزوجة/الأخت التي نعرفها، والتي لها دور مستقل داخل إطار الجماعة الإنسانية الشاملة، وهو ما يتعارض مع الرؤية الإنسانية التي تعترف بالأمومة كوظيفة اجتماعية، وذلك بحسب ما يراه الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش.
  
في السياق نفسه، ترى الدكتورة هبة رؤوف أنه بسقوط الأم والزوجة تسقط الأسرة، ويتراجع الجوهر الإنساني المشترك، ويصبح لكلٍّ مصلحة خاصة؛ مما يقلص من مساحة التعاون المشترك بين أفراد تلك الأسرة شيئًا فشيئًا، حتى تندثر تمامًا، تاركة إياهم في مواجهة فردية مع الحياة.
  
أبناء أم أدوات إنتاج؟
 
"الأسرة والمجتمع متنافران".. هكذا رأى بيجوفيتش في معرض حديثه عن الأسرة والمدينة المثالية الناجحة؛ ذلك لأن المبدأ الرابط في الأسرة هو الحب والعاطفة، بينما على الجانب الآخر، فإن ما يحكم المجتمع هو المصلحة أو العقل أو كلاهما معًا.
 
  بهذا الفارق، يمكن فهم الآلية التي تعاملت بها الرأسمالية مع الأسرة، فيقول جون ديميليو: إن تعامل الرأسمالية مع العلاقات الجنسية -الزواج- كان تعاملاً تحكمه المصلحة، لا القيمة المعنوية لتلك العلاقة. ففي نيو إنجلاند -الولايات النواة التي تكونت منها الولايات المتحدة الأمريكية- أثناء الاستعمار، كان معدل المواليد يتجاوز سبعة أطفال لكل امرأة في سن الإنجاب، إذ كان الرجال والنساء في حاجة إلى الأطفال للعمل؛ مما جعل إنجاب الأطفال ضروريًا لاستمرار الحياة بقدر أهميّة إنتاج الحبوب، فكان الجنس مُسخّرا للتَنَاسل فقط وإنتاج العمال، لا من أجل الحياة الإنسانية الحقيقية.
     
الأمر الذي يؤكده فردريك إنجلز-الفيلسوف ورجل الصناعة الألماني- حين يقول: إن العامل الحاسم في التاريخ -وفقًا للمذهب المادي- هو الإنتاج وإعادة الإنتاج لمطالب الحياة المباشرة، سواء كان بالحاجات المادية أو البشرية -العمال- وتكاثر النوع، ولتحقيق ذلك فإن الشرط الأول سيكون إدخال النساء في النشاط العام؛ مما يعني إلغاء الأسرة المنعزلة كوحدة اقتصادية واجتماعية، وتصبح إدارة البيوت صناعة اجتماعية.
  
لكن، وفي سبعينيات القرن الماضي -وفقًا لـجون ديميليو- فإن معدل المواليد قد شهد هبوطًا ملحوظًا بعد الطفرة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، واستمر الانخفاض على مدار قرنين بالتزامن مع انتشار علاقات الإنتاج الرأسمالية وتوسّع مجالات رأس المال، حتّى أصبح ينتج معظم المنتجات والخدمات التي نحتاجها لاستمرار الحياة كسِلع.
  
الأمر الذي أدّى إلى ضعف الدوافع التي تحث الرجال والنساء نحو الانتظام في أسر، والتي كانت تبقيهم في إطارها، وهو ما يربطه ديميليو -حسب رؤيته- بانتشار الشذوذ الجنسي في أوروبا بسبب عزل الجنس عن الرأسمالية، أي إنه لما انقضت الحاجة التي تربط الثانية بالأول، انتهت بالتبعية الحاجة التي تدفع إلى الحفاظ على القوام الأسري في ثوبه الطبيعي، واعترفت الرأسمالية بالشذوذ الجنسي، بعد أن كانت ترفضه قديمًا، وهو الرفض الذي اتضحت مرجعيته النفعية لا الأخلاقية.
  
بالعودة إلى الانفصال الأسري، فإن بيجوفيتش يرى أن الاتجاه الحضاري قد اقترن بموقف فكري سلبي تجاه الزواج والأسرة، فظاهرة الانفصام الأسري بين أفرادها في الصين وكوريا -مثلاً- قد نتجت عن الأسباب نفسها؛ إذ إن ملايين الأسر تعيش في حالة انفصال، حيث يعمل الأب في جزء من الدولة، وتعمل الأم في جزء آخر، ولا يلتئم شمل الأسرة إلا مرة واحدة كل عام، والسبب المعلن، هو حاجة الدولة الاقتصادية والمصلحة العامة.
     
وهو الأمر الذي يتعارض مع تصور الدين -بوصفه قانونًا حياتيًا- عن الأسرة، فالدين -كما يرى بيجوفيتش- قد كرّس الأسرة باعتبارها عش الرجل، واعتبار الأم هي المعلم الأول الذي لا يمكن استبداله، على خلاف ما تتبناه الحضارة المادية من التعليم الموحد، والتأهيل الحكومي للأفراد؛ ليخدموا دائرة العمل والسوق. ففي نظام كهذا لا تكون الأم والأسرة إلا مصدرًا لإثارة الاضطراب غير المرغوب.
 
  فهل تبدو الحياة الأسرية في تصور المادة والرأسمالية كما ينبغي لها أن تكون؟ أم إنها مجرد مفرخة لإنتاج الأيدي العاملة، حتى إذا ما انفصلت الحاجة عنها انقضت المحافظة عليها، وتم الاعتراف بالهويات الجنسية المنحرفة أو الشاذة؟ وهل يكمن الحل في سد الفراغ الذكوري من قِبل الأنثى في الخروج إلى السوق لتلقاه فيه، أم بسحب الرجل -كما يرى المسيري- نحو واجبه الأسري؟
 

موضوعات ذات صلة:






 
 
_________
 
* المصدر: موقع الجزيرة.نت، 28/6/2018، باختصار وتصرف.
 
 

(1 موضوع)