حوارات ومقالات

دعاوى النسوية .. محاولات لتزييف موقف الإسلام من المرأة

نجح الفكر النسوي وما تحمله فلسفته من أسس في إدخال عدد من المصطلحات إلى مجتمعنا الإسلامي بما تتضمنه هذه المصطلحات من دلالات وما تَتَمَثَلُهُ من قيم؛ فبات الحديث عن المجتمع الأبوي أو المجتمع الذكوري من المصطلحات الدارجة في لغة المثقفين والباحثين، وتم إسقاط الدلالات السالبة لهذه المصطلحات على المجتمع الإسلامي، سواء على مستوى الواقع أو على مستوى الأدبيات، باعتبار أن المجتمع الإسلامي مجتمع نمطي تقليدي، أي ذكوري أبوي، تحتل فيه المرأة صفة مواطن من الدرجة الثانية وأهلية تعادل نصف إنسان وفقًا لتصورهم.
 
وتم هذا الإسقاط بصورة خفية هادئة أحيانًا ووقحة صاخبة أحايين أخرى، كما تم الخلط بشكل متعمد بين الواقع من جهة والنموذج الحضاري المنشود من جهة أخرى.
 
الدرجة الحائرة بين الزوجة والأم
 
فعند حديثهم عن حقوق المرأة يتكلمون عن حقوق المرأة الزوجة مقابل حقوق الرجل الزوج، ولا يتكلمون عن حقوق المرأة الأم مقابل الرجل الأب أو حقوق المرأة الأم مقابل حقوق الابن ذاته. فإذا كان القرآن الكريم يتحدث عن الحقوق المتبادلة وفقًا لقاعدة من المساواة {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: 228)، وهذا هو الأصل في العلاقة بين الرجل والمرأة كزوجين، باستثناءٍ واحد ذكره القرآن في قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} (البقرة: 228) درجة واحدة وليست درجات، وهذه هي درجة القوامة {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} (النساء: 34). والسنة النبوية رفعت المرأة الأم ثلاث درجات فوق الرجل الأب، فعندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أحق الناس بحسن الصحبة، أي الرعاية والطاعة ونحو ذلك، قال: "أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ" (رواه مسلم).
 
وهذه الدرجات التي للأم أو تلك الدرجة التي ذكرها القرآن للرجال لم تأت عبثًا ولا تفضيل دون مقابل، بل إن المقابل باهظ الثمن، فالأم حظيت بهذه الدرجات نتيجة جهد جبار لسنوات عديدة، جهد بدني عظيم، وجهد نفسي أعظم، أو كما قال القرآن الكريم: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ} (لقمان: 14). وهذه التجربة العظيمة الجبارة لم يتحملها الأب، ولم يخلقه الله قادرًا على تحملها، ورغم الجهود الضخمة التي يبذلها الأب إلا أنها لا ترقى إلى هذه الدرجة التي تتحملها الأم؛ ولهذا كانت العدالة الإسلامية في ارتفاع درجة الأم درجات عن الأب. وهذه هي فلسفة الإسلام، العدالة المجتمعية، فبقدر ما تبذل من جهد وما تتحمل من مسئولية تكون الدرجة التي تحظى بها.
 
والرجل هو المنوط بكافة نفقات الأسرة حتى لو كانت زوجته من الأثرياء؛ وبالتالي هو المنوط بالعمل والكدح حتى يوفر هذه المتطلبات والحاجيات وما يتبع ذلك من خبرات حياتية نتيجة لهذا السعي في الأرض؛ وبناء على ذلك كانت له هذه الدرجة، أي القوامة أو القيادة في مجتمع شعاره {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38).
 
هذه القوامة تستند على الشورى كأساس متين، ولا تمس حقوق المرأة خارج إطار القضايا الزوجية، فالمرأة تامة الأهلية في التصرف في مالها الخاص، ورأيها السياسي، فهي مواطنة تحظى بكافة حقوق المواطنة في مجتمعها الإسلامي.
 
الميراث والتلاعب بالمفاهيم الشرعية
 
ومن القضايا التي يتم اختزالها والتلاعب بمضامينها الشرعية قضية الميراث، حيث يزعم دعاة النسوية في بلادنا أن مكانة المرأة في الإسلام تمثل نصف مكانة الرجل؛ لأن نصيبها في الميراث نصف ميراثه، هكذا بإطلاق، وهذا من جهلهم بهذه الشريعة التي يتجاسرون على انتقادها، فالله سبحانه وتعالى يقول: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} (النساء: 11)، أي أن ذلك بين الأخوة الأشقاء فحسب، وهناك حالات عديدة تأخذ فيها الأنثى مثل نصيب الذكر، وحالاتٌ أخرى تأخذ فيها الأنثى أكثر من الذكر، وإن كان هذا ليس مجال الاستقصاء فيكفينا ضرب نماذج سريعة للتدليل على صحة ذلك، ومنها -مثلاً- إذا كان الإخوة لأم أخذت الفتاة مثل نصيب أخيها.
 
وقد تأخذ الأنثى نصيبًا أكبر من الذكر، ومثال ذلك لو مات رجل عن ابنه وعدد من الأخوة، أخذت الفتاة وحدها النصف، وتقاسم الأعمام النصف الباقي. وإن كان والدا المتوفى -الجد والجدة- أحياء أخذ كل منهما السدس، أي أن الجد يأخذ مثل الجدة في هذه الحالة وليس ضعفها، ويأخذ الجد نصيبًا أقل بكثير من الفتاة الابنة، فهل هذا يعني أن الابنة أعظم مكانة من جدها بقدر الفارق المالي في نصيب كل منهما من الإرث؟! 
 
إذن يمكننا القول بأن هذا التنظيم الرباني الدقيق لقضايا الميراث جزء من منظومة القيم الإسلامية المتكاملة بجوانبها الثرية المتنوعة، التي يعجز هؤلاء الذين يثيرون الغبار عند التعاطي مع مفرداتها، حيث تمثل لغة الاحتياجات مكانة بارزة، فحاجة الجدة والجدة في المثال السابق، وقد أشرفا على الرحيل- إلى المال أقل من حاجة الأبناء الذين تنتظرهم الكثير من فعاليات الحياة.
 
وفي نفس السياق، فإن الأخ الشقيق أو الأخ لأب مسئول شرعًا عن النفقة على أخته، وفقًا لآليات وضوابط بعينها. كما أنه مطالب بالنفقة على زوجته، فإذا أضفنا إلى ذلك ما قدمه من مهر وهدايا لزوجته، وتحمله كافة نفقات زوجته، اتضح لنا كم الأعباء والمسئوليات الجسيمة الملقاة على عاتقه؛ لذلك كله كان من العدالة أن يكون نصيب الأخ ضعف نصيب شقيقته، وهذا عين العدالة العقلية تمامًا كما هي العدالة الشرعية.
 
التبعية الفكرية والاستلاب الحضاري
 
نستطيع القول إذن أن دعاة النسوية يجتزئون بعض القضايا لخدمة فكرة مسبقة يحاولون الدعوة إليها وترسيخها في الوجدان الجَمَعِي عند الشعوب المسلمة؛ تمهيدًا لفلسفة جديدة يحاولون استنباتها، ألا وهي الفلسفة النسوية أو الأنثوية.
 
والأنثوية حركة فكرية سياسية اجتماعية متعددة الأفكار والتيارات، ظهرت في أواخر الستينات من القرن الماضي، وتسعى للتغيير الاجتماعي والثقافي وتغيير بنى العلاقات بين الجنسين، وصولاً إلى المساواة المطلقة كهدف إستراتيجي، وتختلف نظرياتها وأهدافها وتحليلاتها تبعًا للمنطلقات المعرفية التي تتبناها، وتتسم أفكارها بالتطرف والشذوذ، وتتبنى صراع الجنسين وعدائهما، وتهدف إلى تقديم قراءات جديدة عن الدين واللغة والتاريخ والثقافة وعلاقات الجنسين.
 
إنها إذن إحدى حلقات التبعية الفكرية الجديدة التي يلزمها مثل هذا التسطيح والاجتزاء والاجتراء على فكرنا وشريعتنا، كما يلزمها النظرة العوراء عند النظر إلى (الآخر) الذي يتم استيراد نظرياته الفكرية المتخبطة، حتى أن هؤلاء النسويين المحليين لا يجرئون على متابعة السادة أصحاب النظرية الأصليون في انتقادهم اللاذع لمجتمعاتهم؛ لأنهم يرون أن مجتمعات الغربين على ما بها من عوار لهي الجنة بجانب مجتمعاتنا. 
 
وعلى سبيل المثال، فهم يدافعون بحرارة عن الموقع القانوني الرسمي الذي تشغله النساء في الديمقراطية الليبرالية الغربية الحديثة، ويقدمونه كنموذج لما ينبغي علينا أن نكون، فهل يعلم هؤلاء أن القانون الإنجليزي يحكم برد الهدايا والجواهر التي قدمها الزوج لزوجته إذا حدث بينهما طلاق؛ ويعلل ذلك بأن الزوج إنما مَلَّكها هذه الأشياء لتظهر بها بالمظهر اللائق أمام الأصدقاء. فهل ثمة وجه للمقارنة بين هذا القانون وبين قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} (النساء: 20).
 
مَن إذن يقف مع المرأة؟ ومَن يقف ضدها؟ وكيف تنقلب الموازين على هذا النحو المخيف ؟!
 
المصدر: موقع طريق الإسلام، 25/1/2007، بتصرف.
 
 
موضوعات ذات صلة:
 



 
 




 

(13 موضوع)

كاتبة فى مجال الأسرة