حوارات ومقالات

من القرآن الكريم.. مقاربة حول بناء مفهوم القوامة

لم يتعرض مفهوم يتعلق بالعلاقة بين المرأة والرجل لتشويه واختزال مثلما تعرض مفهوم القوامة. ومن الغريب أن كثيرًا ممن كتبوا في تحرير هذا المفهوم لم يتناولوا قراءته في مجمل الآية التي ورد فيها، ناهيك عن قراءته في سياقها القريب، وفي سياقها العام الذي ينظر إلى القرآن وصحيح السنة على أنهما بمثابة الجملة الواحدة.
 
فالقوامة جاءت فيما يتعلق بالشأن الأسري في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء: 34)، ثم جاءت مرتين في أمر موجه إلى الذين آمنوا رجالاً ونساءً، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء: 135)، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8)، والآية الأولى تقرر أن للمرأة مثل ما للرجل بالمعروف، وأن للرجل عليها درجة، مرتبطة في منظومة الثواب والعقاب في الإسلام بما يقوم به من أعباء وأعمال لصالح المرأة وأسرتها، وهذه الدرجة هي القوامة {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} (البقرة: 228). ومعرفة ما للنساء وما عليهن أحال فيه الشارع على المعروف بين الناس، كميزان يزن به الرجل حقوق زوجته عليه حسب الزمان والمكان.
 
القوامة.. مضامين ودلالات  
 
والقوامة بهذا ليست للرجال على النساء، بل هي للزوج على زوجته، وهي في الآيتين الأخريين حق لكل مؤمن ومؤمنة يتجسد في القوامة لله والشهادة بالقسط. 
 
ومن الملاحظات المهمة هنا أن القرآن لم ينص على سيادة الرجال على النساء، بل قرر قوامة مدارها هو العدل والإصلاح، وإقامة الميزان، ونطاقها محصور في مصلحة الأسرة وحفظ كرامة المرأة وصيانتها. ولا تعطي تلك القوامة الرجل حق التدخل في الذمة المالية المستقلة لزوجته، ولا في حقها في أن تكون راعية له ومرعية، ولا في حقها في العشرة بالمعروف، ولا في حقها في ألا تطيعه إلا في المعروف. بل إن تلك القوامة لا تقترب من ساحة حرية المرأة الدينية، بما أن للمسلم أن يتزوج كتابية، وتكون له القوامة عليها، مع الالتزام باحترام حريتها الدينية وبقائها على دينها. والقوامة بذلك إنما هي تكليف، وليست تشريفًا. وما التفضيل في الإسلام إلا بالتقوى والعمل الصالح.
 
وتستبطن القوامة الدلالة المفاهيمية لإفراد الله تعالى آدم بالشقاء، فيما لو تلاعب الشيطان به وبزوجه {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} (طه: 117). 
 
وتشير مضامين آية القوامة إلى أن القوامة مسببة بالإنفاق، وبالتميز بالفضل النسبى، المتبوع على الفور بالتنويه بنوعية من النساء، هن ذوات أنفس رفيعة، استقامتها من داخلها {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ}.
 
وصنيع الفتاتين مع موسى عليه السلام عند ماء مدين، وبين يدي أبيهما، دليل قاطع على أن المرأة تحن إلى قوامة الرجل عليها، مادام قويًا وأمينًا. وتؤسس الأسرة لمبدأ لزوم الرئاسة في المجتمعات الإنسانية. والشأن الأسري شأنه شأن أي اجتماع إنساني يحتاج إلى قوامة. وإما أن تكون للرجل وإما أن تكون للمرأة، بما أن أي درجة متصورة من الصلاح لكلاهما يجعل رئاستهما معًا للكون الأسري بابًا من أبواب الفساد. آية ذلك أن الكون ذاته لا يتسع لإلهين؛ لمظنة الاختلاف بينهما {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (الأنبياء: 22).
 
ويقرر الشارع قاعدة توجيهية للمرأة والرجل على السواء في هذا الصدد قوامها {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (النساء: 32)، فخصوصيات الرجل مكملة لخصوصيات المرأة، ولا تزاحم بينها. وبهذا التفضيل المتكامل تتنوع سبل الرعاية، وأطر القيام بواجبات العمارة والخلافة في الأرض. وبما أن الـزوج هو بعض الزوجة، والزوجة هي بعض الزوج، فإن مدار تفضيل البعض على البعض في ذاك الجسد الواحد الحي، لا يعدو أن يكون تفضيل اختصاص كل عضو بوظيفة هو فيها راع لغيره، في مقابل رعاية الأجزاء الأخرى في دائرة اختصاص كل منها.
 
بل إن آية القوامة على النساء لم ترد بلفظ قوامة الذكر على الأنثى، بل قوامة الرجال على النساء، بما تحمله كلمة (الرجال) من مضامين المسؤولية والعدل والإحسان. وتقف القوامة حتى في مواجهة الزوجة الناشز عند حد السعى لتحصيل الطاعة منها في المعروف، ولا تجعل أمر إعادتها إلى جادة الصواب حتي نهايته إلى الزوج وحده، بل تضعها على قدم المساواة معه -حالة إخفاقهما في التوصل إلى كلمة سواء بجهدهما الذاتي- في تحكيم حكم من أهلها وحكم من أهله، وتشترط لتوفيق الله بينهما أن تتوفر لديهما نية الإصلاح وإرادته. 
 
ومن المهم هنا أيضًا أن نؤكد على دلالة مجيء حكم القوامة في سورة (النساء)، ووقوعها في سياق قريب يتناول في عشرات الآيات حقوق المرأة، وينظمها في عقد واحد مع التوحيد والإحسان والإنفاق في سبيل الله واستحضار العدل الإلهي. 
 
والقوامة بهذه المضامين والدلالات هي: سلطة مشروطة بالتشاور بين الزوجين في أمر الأسرة كله، وبالأخص في فطام الطفل، ونكاح الابنة، إلى جانب حسن المعاشرة بالمعروف، والبحث في العمق عن خير كثير فيما قد يبدو في ظاهره عند عدم التثبت شيئًا مكروهًا للزوج، والتسليم للمرأة بالمثل في الحقوق والواجبات المتبادلة، وفي حقها في تجاوز العدل إلى الإحسان، بمقايضة خلق غير مرضي عنه منها بخلق آخر يرضاه الزوج. بل إن الشارع وصل إلى حد إباحة الكذب في تعزيز المودة بين الزوجين، وإشعار الزوجة بمكانتها وحظوتها لدى زوجها. 
 
 
*المصدر: صفحة الدكتور "sayed omar" بالفيسبوك، بتصرف.
 
موضوعات ذات صلة:
 
 
 
 
 
 
 
 

(1 موضوع)

‏أستاذ النظرية السياسية الإسلامية،‏ ‏كلية التجارة وإدارة الاعمال، جامعة حلوان‏، مصر.