حوارات ومقالات

منحنى النسوية الأمريكية.. في أي اتجاه يسير؟

من الطبيعي أن تلقى حركة تحرير المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية مقاومة عنيفة ورفضًا مجتمعيًا؛ لأن هذه الحركة تصطدم بعقيدة وهوية وقيم هذه المجتمعات، فضلاً عن أن المرأة قد أعطاها الإسلام حقوقها كاملة، وفرض عليها في المقابل عددًا من الواجبات، بما يتوافق مع طبيعتها، كما أعطى للرجل حقوقًا، وفرض عليه واجبات تتناسب مع طبيعته.
 
لكن المدهش هو وجود مقاومة مجتمعية وفكرية عنيفة لحركة تحرير المرأة في أكثر المجتمعات الغربية تفتحًا وديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأمريكية؛ وسبب الدهشة أن حركات التحرر النسوية -في الغرب بشكل عام، وفي الولايات المتحدة بشكل خاص- سار على دربها واقتفى أثرَها سيل جارف من الحركات النسائية في مجتمعاتنا الإسلامية، وكانت بمثابة  النموذج الملهم.
 
انتكاسة النسوية
 
ترصد الكاتبة والصحفية الأمريكية سوزان فالودي هذه المقاومة خاصة من قبل الكتاب والمفكرين الأمريكيين في كتابها (انتكاسة الحرب غير المعلنة ضد النساء الأمريكيات)، حيث تستعرض الهجوم على الحركة النسائية من قبل شخصيات مثل ألان بلوم، وخاصة في كتابه (انغلاق العقل الأميركي)، حيث يقول بلوم: "إن التحول النسائي للمجتمع قد ملأ النساء بالمطالب والرغبات، وأفرغ الرجال من الطاقة والعزم".
 
وتشير إلى أن الكاتب كريستوفر لاش يعتبر أن الحركة النسائية تمثل تحديًا للزواج التقليدي، وتنادي بالإجهاض غير المحدود.
 
وتوضح أن الكاتب روجر كيمبل حذر من انتشار الدراسات النسائية في الجامعات الأمريكية، وأنها  ستؤدي إلى الضرر بالمستوى الفكري للحياة الأميركية.
 
ويزخر كتاب فالودي بالوقائع من الصحف والمجلات وبرامج الإذاعات والتلفزيونات وصناعة الأفلام وتصريحات رجال السياسة وآراء أصحاب الفكر التي تناهض حركة تحرر المرأة الأمريكية.
 
وتشير فالودي إلى أن المقاومة لحركات تحرير المرأة قد وجدت استجابة في المجتمع الأمريكي، وعرقلت جهود هذه الحركات، وأثرت على رؤى وأفكار النساء الأمريكيات، وإن كانت لم تتمكن من إخمادها، وتصف هذه النجاحات لرافضين النسوية بظاهرة الانتكاسة للحركة النسوية بالمجتمع الأمريكي الحديث. (1)
 
وبحسب فالودي، فالرافضين للمطالبة بتحرير المرأة يؤكدون أن هذه المطالب لم تجلب للمرأة خلال عقود من الزمان إلا التعاسة والشقاء، والأمراض النفسية، والفقر، وفقدان الخصوبة، وانتشار الشذوذ. وأن عودة المرأة للمنزل والتعامل في ضوء طبيعتها هو الكفيل بإنهاء هذه المشكلات.
 
وفي مقال لها بعنوان: (الحركات النسائية) تروي فالودي كيف تراجعت الحركة النسوية في الولايات المتحدة قائلة: تحدّثت ذات مرة إلى بوئثيوس(2) في العام 1995 عندما كنا نجلس إلى طاولة مطبخها التي ذاع صيتها، وقلتُ لها: "تتملكني رغبة في أنْ تكتسب الحركة النسائية الأمريكيّة البراعة والإبداع والفاعلية". كانت كلماتي صادمة لبوئثيوس، وكان لها وقع في نفسها فأصابتها بالحزن والأسى، وعلّقت قائلة: في ستينيات القرن التاسع عشر وسبعينياته، كانت نساء العالم تتابعن عن كَثَب الحركة النسائية الأمريكية لتكون لهن مصدر إلهام. ولكن هيهات أنْ يستمر ذلك، إذ تبدلت الأمور وانعكس الواقع، فبات الكثيرون الآن يرون أن الحركة النسائية الأمريكية عقيمة عاجزة عن التحرك والتفاعل. كما أضافت بوئثيوس والأسى يتغشاها وتُميتُ بهجة قلبها الأحزان: "تبدّلت مقاليد الأمور الآن، وأصبح لزامًا على الحركة النسائية في الولايات المتحدة الأمريكية أن تنسج على منوال باقي نساء العالم. (3)
 
نقد الدراسات النسوية
 
لم تسلم من هذا الهجوم بعض الجهود العلمية والأكاديمية ذاتها التي تساند دعاوى الحركات النسوية بشكل من الأشكال. ففي مقال بعنوان: (مستقبل الدراسات النسائية والأخطار التي تهدد النسوية الأكاديمية) نشرته مجلة Surfaces الأمريكية عام 1997م، تقول المؤلفة سوزان ستانفورد -وهي أستاذة مادة (دراسات نسائية) بجامعة ويسكونسن ماديسون-: إن الدراسات النسائية تواجه بكثير من التحديات من جانب أعداء الحركة النسوية، وأن كثيرًا من النقد والرفض يأتي من بعض الكاتبات الأمريكيات البارزات، من أمثال كريستينا هوف هومرز، التي ترفض نزعة المبالغة والتطرف التي تميل إليها بعض تلك الحركات، وأن الدراسات النسائية ذاتها التي تقدمها بعض الجامعات دراسات عديمة الجدوى؛ لافتقارها إلى الطابع الأكاديمي الجاد.
 
وبالمثل تذهب الكاتبة الشاعرة الأمريكية إيف ميريام إلى القول بأن كثيرًا جدًا من الكتابات التي تنادي بتحرير المرأة هي أعمال دعائية سطحية وخاوية، وتقوم على استثارة العواطف، وأن القليل جدًا منها هو الذي يعتمد على البحث والدراسة والفهم.
 
وتلقى هذه الاعتراضات كثيرًا من الترحيب من السياسيين المحافظين، ومن اليمنيين ورجال الدين وبعض الأوساط المالية في الولايات المتحدة، كما تميل وسائل الإعلام بوجه عام إلى نشر تلك الاعتراضات وذلك الهجوم والنقد؛ مما يسيء إساءة بالغة إلى الحركة، ويلقي عليها كثيرًا من ظلال الشك، بل والسخرية من أهدافها وأساليبها في التعبير عن هذه الأهداف. (4)
 
تزايد المعارضة في الولايات المتحدة لحركات تحرير المرأة يأتي نتيجة طبيعية للتجربة المريرة التي عاشتها المجتمعات الغربية خلال العقود الماضية، والتي أسفرت عن خيبة أمل ومحاولة تحقيق المستحيل، وفقدان مشاعر الأمومة، وتفكك الأسرة وتفشي الطلاق والفساد والعنف والانحلال الخلقي والجريمة والانتحار.
 
ونتيجة لذلك بدأت المطالبة بضرورة عودة المرأة إلى البيت والأسرة، لا قهرًا ولا إذلالاً، ولا تسليمًا بتدني المرأة عقليًا وخلقيًا، ولا إنكارًا لإنسانيتها ودورها في الحياة، ولا رفضًا لحقها في الاختيار وفقد خصوصيتها وظروفها، بل عن قناعة رسختها التجربة.
 
 
موضوعات ذات صلة:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
_________
 
* المصدر: موقع لها أون لاين، 23/8/2014.
 
 (1) نقلاً عن مجلة العربي، العدد 425، إبريل 1994م.
 
(2) ماريا-بيا بوئثيوس (قائدة جماعة كَلْسات الدعم)، وهي حركة نسوية صغيرة نشأت سرية، ومع مرور الوقت تحولت إلى جماعة كبيرة  انبثق عنها أكثر من 120 جماعة نسائيّة.
 
(3) يمكن قراءة المقال كاملا مترجما على الرابط التالي:  http://www.qf.org.qa/content-ar/think-ar/issue-6-ar/state-of-the-sisters-ar
 
(4) بوادر تراجع الحركة النسوية، أحمد أبو زيد، مجلة العربي، العدد 556، مارس 2005م.

(10 موضوع)

كاتب وصحفي مصري