حوارات ومقالات

الإسلام وضوابط النظر في قضايا المرأة

من فضل الله على هذه الأمة أن جعلها خير أمة أخرجت للناس، فحفظ لها دستورها الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجرات: 9)، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: ۸۹).
 
وتتوالى القرون والأيام والسنون منذ البعثة النبوية وهو حي لم يشب، ومعين فياض لم ينضب، كما حفظ لها سنة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، الذي بيّن الذكر بأعماله وأفعاله وطبقه مع أصحابه رضوان الله عليهم، فهو القائل: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" (أخرجه أبو داود في سننه). وقال الله عز وجل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44)، وقد بين الله عز وجل ذلك فقال سبحانه: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة:16-19)، وأكد ذلك قوله سبحانه: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 1-4). 
 
ومن هنا قيض الله عز وجل للسنة مَنْ ضبط أسانيدها وأسس لها علم الجرح والتعديل وقواعد التحديث، فجاءت كتب السنة مبينة للقرآن الكريم شارحة له، منظمة وضابطة لحركته وسيره. يقول الله عز وجل : {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر: ۷)، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21). 
 
ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: "تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي" (أخرجه الإمام أحمد)، وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي غضوا عليها بالنواجذ" (أخرجه أبو داود وابن ماجه). 
 
ومضت الأمة تتزود من هذين المنبعين الصافيين ترد إليهما كل شيء، وتقف عند أمرهما وفيهما، مصداقًا لقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59)، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65). 
 
ومن هنا كان الاجتهاد والتجديد لا يتوقفان في حياة هذه الأمة ما طلع الليل والنهار، فمتغيرات الأحداث والأحوال تأتي كل يوم بجديد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (أخرجه البخاري)، وقوله : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (أخرجه أبو داود). 
 
ولذلك كان إجماع الأمة على أن كل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، كما قال الإمام مالك، وكان التقليد من غير دليل مذمومًا، قال الشافعي قدس الله تعالى روحه: "أجمع المسلمون على أن ما استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس) (أعلام الموقعين: ج۱ ص۷).
 
وتبعًا لذلك كان منهج النظر إلى قضايا المرأة ينضبط في خطاب الإسلام من خلال ما قرره الله عز وجل في وحيه المتلو ووحيه غير المتلو من سنة النبي الكريم بما يأتي: 
 
1- أن الله عز وجل خلق المرأة والرجل من نفس واحدة، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}  (النساء: ۱). وأن أبينا آدم وأمنا حواء أكلا من الشجرة بعدما نهاهما الله عنها فأمرهما أن يهبطا إلى الأرض جميعًا، وقال لهما: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} (طه:۱۲۳)، وبذلك هدمت دعوى أن المرأة هي سبب خطيئة آدم وأنها رجس، وما تبع ذلك من انحرافات ونظرة غير سوية إلى المرأة عند بعض الملل الأخرى. 
 
2- أن الله عز وجل كرم بني آدم وفضلهم على كثير مما خلق تفضيلاً: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء:۷۰). 
 
3- أن الله عز وجل خلق الرجل والمرأة على الفطرة السوية، التي هي الدين، ومن غير الدين لا تستقيم الحياة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}" (أخرجه البخاري)، وقوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (أخرجه مسلم). 
 
4- مساواة المرأة والرجل في التكاليف والمسئولية وفي الخطاب الشرعي، إلا في بعض الأمور التي تخص المرأة، فكل أية خُوطب بها الرجل فالمرأة مخاطبة بها سواءً بسواء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "النساء شقائق الرجال" (أخرجه أبو داود)؛ ولذلك توجه الخطاب الإسلامي من أول يوم لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة والرجل جميعًا، فكان من أوائل المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها، وكانت الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة من الرجل والمرأة جميعًا، وكذلك بيعة الأنصار ومشاركة النساء في الخروج للجهاد يسقين الجرحى ويضمدن الجراح. 
 
ولذلك حفل القرآن بتوجيه الخطاب للرجل والمرأة جميعًا، فقال سبحانه: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب:35).
 
وفي المقابل : {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} (التوبة: 67- 68 )، وقوله سبحانه وتعالى محملاً الإنسان رجلاً كان أو امرأة الأمانة : {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب: ۷۲-۷۳) 
 
5- وقد أقام الإسلام علاقة المرأة بالرجل وقضايا الغرائز والدوافع الفطرية وإشباعها على قواعد الحلال والحرام، ومكارم الأخلاق، وحسن السلوك والآداب، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: ۱۰۷)، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (السلسلة الصحيحة للألباني).
 
6- ولما كانت غريزة الجنس من أقوى غرائز الإنسان، ولها آثارها في النفس وفي الحياة وفي المجتمع، ويتوقف عليها بقاء النوع الإنساني وصيانته من الدنس والرذائل، جاء تشريع الإسلام بالزواج میسرًا إياه وحاضًا عليه ومحققًا استجابة الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها، فجعله الله عز وجل آية من آياته، فقال سبحانه: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: ۲۱)، وما أعظم التعبير الرباني بسكن الرجل إلى زوجته ولحمة المودة والرحمة بينهما؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (أخرجه الترمذي). 
 
وقد كرم الله عز وجل المرأة بأن رفع عنها إصر الجاهلية بتقاليدها الموروثة، من حيث الوأد وغيره من الحرمان من الميراث، وجعل ميثاق الزواج ميثاقًا غليظًا كمیثاق الرسالات. فيقول ناهيًا عن أخذ ما أعطي للمرأة من مهر : {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: ۲۰-۲۱). 
 
وقد احترم الإسلام أهلية المرأة من حيث التصرف، ومن حيث التملك، وجعل المسؤولية مسئولية فردية {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (النجم: ۳۸-۳۹)، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (فاطر: ۱۸)، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت:46)، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل : ۹۷)، {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (النساء: ۳۲). 
 
7- وقد مضت الشريعة تكفل للزوجة حق النفقة والرعاية لها ولأولادها، وجعلت ذلك من مسئولية الزوج، وأنزلت في ذلك قرآنًا يتلى، فقال سبحانه {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (النساء: 34)، {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ} (الطلاق: ۷)، {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} (البقرة:۲۳۳). 
 
8- وقد جعل الإسلام حقوق التوارث شريعة محكمة وفروضًا محددة، لم يتركها لاجتهاد مجتهد بالزيادة أو النقصان، وجعلها حُدودًا تراعى وتنفذ، وأجزل الثواب لمن نفذها ونزل عندها، وأوعد من خالفها بالعذاب الأليم. فقال في ختامها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (النساء: 13-14). 
 
9- وقد اهتم الإسلام اهتمامًا كبيرًا بالعلاقات الأسرية، وجعلها رحمًا توصل، وحض على رأب الصدع وإصلاح ذات البين، فشرع تحريم الزواج بين الأقارب؛ تكريمًا وحرصًا على نموها في درجات البنُوة والأبوة والأمومة والعمومة والخؤلة، وعداها إلى من استرضع الطفل منها؛ احترامًا وتقديسًا لهذه العلاقة أن يمسها أي شيء، وجعل قطعها أو عدم رعايتها إفسادًا في الأرض، فقال سبحانه:{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (محمد: ۲۲) 
 
ومن هنا حرص الإسلام على حل الخلافات التي تطرأ بين الزوجين، بتذكر نعمة الله والخوف من عقابه، فأمر الزوجين بحسن رعاية ما بينهما، وطلب من الزوج أن يقدر المسؤولية التي تقوم بها زوجته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر" (أخرجه مسلم)، ووصى صلى الله عليه وسلم بالنساء في حجة الوداع. وطلب الإسلام إلى كلا الزوجين أن يسعى للصلح وألا يتركا للشيطان سبيلاً، فطلب من الرجل أن يعظ وأن يهجر وأن يضرب بشكل خفيف إذا كان ذلك سيؤدي إلى عدم الشقاق والنفرة، وأعطاها حق التحكيم على نحو ما ذكرت آيات سورة النساء، كما طلب ذلك من المرأة أيضًا: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}(النساء: ۱۲۸). 
 
ولم يترك الأمر معلقًا، فإن جاءت هذه الخطوات بنتائجها كان خيرًا، وإلا قد شرع الله الطلاق وجعله أبغض الحلال إليه، وآخر الدواء الكي كما يقولون، ولكنه جعل في الطلاق فُسحتين للمراجعة، قال الله عز وجل: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: ۲۲۹). 
 
وقد عظم الله عز وجل حق المرأة، وأدب من يظاهر على زوجه، فأنزل ذلك في افتتاحية سورة المجادلة، فقال سبحانه: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (المجادلة: 1)، ونعت المظاهرين بأنهم يقولون: {مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا}، وشدد الكفّارة في ذلك على نحو ما هو مفسر في السورة. 
 
وقد احترم الإسلام إرادة المرأة، وجعل من حقها أن تطلب الطلاق إذا يئست من عدم إمكان التوافق مع زوجها، وجعل من حقها أن تخالفه، ومع ذلك فإن لها حق النفقة في العدة لبراءة الرحم، فقال تعالى:{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة:241).
 
10- وفيما يتعلق بلباس المرأة جاءت شريعة الإسلام تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، وجاء نبيها صلى الله عليه وسلم متممًا لمكارم الأخلاق، وكان من شعب الإيمان الحياء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان" (أخرجه مسلم)، وقال تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} (الأعراف: ۲۹-۲۷). 
 
ومن هنا فإن للمرأة الحق في أن تلبس ما تشاء من اللباس الساتر، الذي لا يشف، ولا يحدد، ولا يبدي شيئًا من جسدها، بشرط ألا تتبرج وتبدي محاسنها ومفاتنها، وأنها إذا بلغت المحيض لا يرى إلا وجهها وكفيها، وما عدا ذلك فإن لباسها هو مظهر من مظاهر قيمها الفاضلة وخلقها الكريم. 
 
11- ومن حق المرأة أن تأخذ في مجال التعليم ما تميل إليه وما ترضاه، شرط أن يناسب وظيفتها ودورها في الحياة، ولها أن تبلغ فيه المبلغ الذي يعينها على أداء رسالتها، فقد حفظت أم المؤمنين عائشة علم النبوة، ولم يمنع الحياء نساء الأنصار أن يتفقهن في دينهن. 
 
12- وللمرأة المسلمة أن تباشر العمل الاجتماعي والسياسي في كل ما يخدم المجتمع، ويعين على رقيه وتقدمه، وأن تشارك مشاركة إيجابية بشرط ألا تخلو برجل، وأن يظلل اختلاطها الخلق الكريم والحياء النبيل، فقد شاركت أم المؤمنين خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عبء الرسالة منذ أول آية نزلت، ونصحت المرأة عمر، وخرجت النساء للغزو، وجعل أمير المؤمنين عمر امرأة تفتش أسواق النساء. 
 
* المصدر: مؤتمر تحرير المرأة في الإسلام، المنعقد في الفترة من 22 - 23 فبراير 2003.
 
 
موضوعات ذات صلة: