حوارات ومقالات

هل الفقه الإسلامي متحيز للذكور؟

ترتفع أصوات النسويات في كل مرة داعية إلى إلغاء تراث الفقهاء واجتهاداتهم في المسائل الشرعية، مُدعية أنها اجتهادات لها خلفية سلطوية ذكورية يمارسها الفقيه -تحت غطاء الدين- على النساء المسلمات؛ لإلزامهن بمجموعة من الأحكام التي تقيد حريتهن، وتجعلهن تحت سيطرة الرجل دون أن يكون الإسلام داعيًا إليها.
 
وهذه الدعوى الباطلة ليست بالغريبة عن التيار النسوي الذي انبرى لمهاجمة مصادر تلقي وفهم الشريعة الإسلامية واحدة تلو الأخرى، إما بالطعن والإلغاء أو الدعوة إلى إعادة تأويلها وقراءتها وفق الأهواء الحداثية؛ ليمارس بعد ذلك حريته الانتقائية في تمرير ما وافق (وحيهم) المتمثل في تشريعات هيئات حقوق الإنسان واتفاقية (السيداو)، وفي هذه الأسطر القليلة محاولة لإظهار زيف هذه المقالة.
 
طبيعة الفقه ودور الفقيه
 
الذي ينبغي التأكيد عليه أولاً، أن الفقه هو مجموعة من الأحكام الشرعية، بعضها وحي من الكتاب والسنة قطعية الدلالة، ليس للفقيه أمامها إلا التسليم، وبعضها اجتهاد بشري من الفقيه، "لكنه ليس فهمًا اعتباطيًا بل هو مرتبط بالنص الشرعي المعصوم، وبآليات وأصول فهم النص، لغة ودلالة ومقاصد، وبما يعرض من مقيدات أو نواسخ ونحوه". (1)
 
ودور الفقيه منحصر في البحث عن الحُكم واكتشافه بوسائل محددة، يستوي في التزامها والتقيد بها الرجل والمرأة، الفقيه والفقيهة، مُتجردين من صفات الذكورة والأنوثة خلال بحثهما واسترشادهما بدلائل ونصوص منزهة عن التذكير والتأنيث وخالية من علاماتهما. (2)
 
والأحكام الشرعية مبنية على علل ومعان هي مناط الأحكام، فإذا تساوى الجنسان بالمناط تساويا في الحكم، وإذا اختلفا في المناط اختلفا في الحكم، فالشريعة الإسلامية ساوت بين الرجل والمرأة في الإيمان والعبادات؛ لاشتراكهما في مناط التكليف وهو البلوغ والعقل، وكذلك ساوت بينهما في الملكية والتملك؛ لأن مناط هذا الحق الذمة المالية والأهلية، ثم فرقت بينهما في بعض الحقوق لافتراقهما فيما تُبنى عليه من أحكام، كتعدد الأزواج مثلاً. (3)
 
نماذج من اجتهادات الفقهاء في أحكام متعلقة بالمرأة
 
أولاً- اجتهادات فقهاء تقضي لصالح المرأة:
 
ومما يؤكد أن الفقيه كان يدور في اجتهاده مع النص مُستحضرًا في بيانه للأحكام الشرعية النظر الشمولي للمسألة، سواء في الحكم الواحد أو الموضوع الواحد، ثم بالنظر إلى المقاصد الشرعية التي جاءت بها الشريعة. والذي يؤكد أيضًا أن الفقيه لم يكن يقيم للذكورة أو الأنوثة اعتبارًا في تصدير حكمه أن هناك من الاجتهادات الرجالية ما جاءت ضد الرجل، في حين كانت اجتهادات أخرى نسائية ضد مصلحة المرأة، ونضرب على ذلك بعض الأمثلة:
 
1- حق المبتوتة في النفقة والسكنى: كانت فاطمة بنت قيس -وهي من المهاجرات الأول- ترى أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وكان عمر يخالفها ويرى أن لها النفقة والسكنى، كما كانت عائشة رضي الله عنها تنكر عليهما ذلك، قال المالكية لها السكن دون النفقة، والحنابلة بقول فاطمة، وأخذ الحنفية بقول عمر. (4)
 
2- قتل الساحرة: اختلف الصحابة في حكم قتلها، فكانت حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها ترى قتلها، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه لا يرى قتلها. (5)
 
3- شرب الخمر للكتابية المتزوجة من المسلم :أجاز الفقهاء للكتابية شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وإن كانت في ذمة مسلم، كما قال أبو عبد الله المواق المالكي في التاج والإكليل: "ابن عرفة: المذهب كراهة نكاح الحرة الكتابية. في المدونة: وإنما كرهه مالك ولم يحرمه؛ لما تتغذى به من خمر وخنزير وتغذى به ولده وهو يقبل ويضاجع، وليس له منعها من ذلك ولا من الذهاب إلى الكنيسة". (6)
 
وفي هذا دليل واضح أن الفقهاء لم يكونوا يحابون ولا يداهنون في دين الله، بأن يجعلوا للرجل سلطة على المرأة، ولو كان كذلك لجعلوا الزوج المسلم حاكمًا على زوجته الكتابية، ومانعًا لها مما جوزه لها دينها، في حين أنهم لم يفعلوا رغم كراهتهم لنكاح الكتابية.
 
ثانيًا- أحكام فقهية يكون فيها الرجل تبعًا للمرأة:
 
ومنها ما جوزه الفقهاء للرجل من افتراش للحرير تبعًا لزوجته، فــ"الرجل يجوز له افتراش الحرير تبعًا لزوجه، ولا يفترشه استقلالاً، بل ذهبوا إلى أن الرجل لا يدخل فراش الحرير إلا بعد أن تدخل زوجته، ولا يبقى فيه بعدها"، حتى ذكر الفقهاء أن المرأة "إذا قامت وهو نائم فتوقظه أو تزيله عنه". (7)
 
ثالثًا- تراجعات الفقهاء في قضايا المرأة:
 
وقد كان لكبار الفقهاء أيضًا تراجعات عن أحكامهم التي جادلهم على صحتها نساء فقيهات، وكان الفيصل بينهما الحجة وقيام الدليل، لا التحيز إلى ذكورة أو أنوثة، ومن أمثلة ذلك أن عزم عمر بن الخطاب على تحديد مهور النساء في اثنتي عشرة أوقية، فرأت امرأة في ذلك مسًا لحقها فردت عليه: يعطينا الله وتحرمنا، أليس الله سبحانه يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، فرجع إلى قولها، وقال كلمته المشهورة: أصابت امرأة وأخطأ عمر. قال شيخ الإسلام معلقًا على الحادثة: "هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه ورجوعه إلى الحق إذا تبين له، وأنه يقبل الحق حتى من امرأة، ويتواضع له وأنه معترف بفضل الواحد عليه ولو في أدنى مسألة". (8)
 
رابعًا- أحكام فقهية تراعي مصالح المرأة:
 
كان اعتبار الفقهاء للمقاصد الشرعية حاضرًا في بحثهم واجتهادهم في المعالجة الفقهية للواقع، ومن أمثلة ذلك:
 
1- يرى الفقهاء أن الزوجة إذا كانت لا تخدم نفسها لكونها من ذوات الأقدار، أو كانت تُخدم في بيت أهلها، أو كانت مريضة، فإن على الزوج أن يهيئ لها خادمًا(9)، واستدلوا بقوله عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
 
2- ذهب عامة الفقهاء إلى استحباب استئذان الأم عند تزويج ابنتها، فيؤخذ رأيها في المتقدم لابنتها، وعللوا ذلك بأنه من قبيل حسن العشرة معهن، وأن فيه تطييبًا لقلبها وإرضاء لها. (10)
 
3- مراعاة طبيعة المرأة وصفاتها الخُلقية، حيث لا يلزم بعض الفقهاء في أحكام القضاء استدعاء المرأة المخدرة في جلسات القضاء بل يبعث من يسألها؛ لأن الحياء قد يمنعها عن التكلم، وعن جواب الخصم، وربما يصير ذلك سببًا لفوات حقها. (11)
 
4- مراعاة الفقهاء للجانب النفسي والاجتماعي للمرأة، وذلك بإعطائها حق التكسب والعمل وإشغال وقتها بما يفيدها: يقول ابن عابدين الحنفي: "والذي ينبغي تحريره أن يكون له منعها عن كل عمل يؤدي إلى تنقيص حقه أو ضرره أو إلى خروجها من بيته. أما العمل الذي لا ضرر فيه فلا وجه لمنعها عنه، خصوصًا في حال غيبته من بيته". (12)
 
ومن هنا، نجد أن الفقهاء كانوا يقيمون اعتبارًا للمقاصد الشرعية، كل حسب اجتهاده وبيئته وأحوال مجتمعه وظروفه، وباعتبار قربه من النصوص الشرعية واستحضاره لها قوة أو ضعفًا، ولم يكن للمعنى الباطل الذي زعمته النسويات -تحيز الفقهاء للذكور- أيُّ حضور في الاجتهاد الفقهي، والواقع أن هذا الادعاء راجع لاختلاف مرجعية الخطاب النسوي ووسائل فهمه للآيات عن منهجية الفقهاء، إذ أن تصورات الخطاب النسوي الحداثي مبنية على الفكر الغربي، فمفهوم المساواة مثلاً الذي يقصد به عندهم التماثل التام بين الجنسين، يختلف عن مفهوم المساواة في التراث الفقهي، حيث يعني التكامل لا التماثل بين الجنسين، باعتبار أنهما متساويان في الإنسانية والمكانة، مُختلفان في الوظائف والمهام. 
 
بالإضافة إلى أن الكتب النسوية التي تناقش الأحكام الفقهية المتعلقة بالمرأة تتسم في الغالب بالجهل بنصوص القرآن والسنة وبالتراث الفقهي؛ مما يؤدي إلى التعميم ونسبة الأقوال لغير أصحابها والإتيان بمجموعة من الطوام، أو تتسم بالانتقاء والاجتزاء لأقوال الفقهاء بانتزاعها من سياقاتها أو بالنظر إلى مسألة أو اثنتين دون النظر لباقي الأحكام.
 
ويلاحظ القارئ جليًا في هذه الكتب المتأثرة بالمستشرقين أن صاحبها قد بيت مسبقًا افتراضه بكره الفقهاء للنساء وتحيزهم ضدهن، وفي هذا الاتهام إغفال للجانب التعبدي والرسالي في عمل الفقيه، وقدح في نواياه ومقاصده النبيلة.
 
ختاما، يتبين أن هذه القولة الشيطانية النسوية -كما أسماها العلامة محمد التاويل- دعوى لا دليل عليها، وأنها مجرد إطلاقات فارغة؛ الغرض منها جعل الفقه جسرًا يُمتطى للوصول إلى مآرب أخرى؛ لهدم أسس الدين وتمرير الأفكار التغريبية.
 
 
موضوعات ذات صلة:
 




 
 
____________
 
* المصدر: موقع مركز يقين، 17/3/2019، بتصرف.
 
[1] الخطاب الفقهي المتعلق بالمرأة، إيمان الطويرش ومها المانع، ص11.
 
[2] لا ذكورية في الفقه، لمحمد التاويل، ص 20.
 
[3] الخطاب الفقهي المتعلق بالمرأة، مرجع سابق، ص41.
 
[4] فتح الباري، لابن حجر، 9/480.
 
[5] المغني، لابن قدامة، 8/80.
 
[6] التاج والإكليل لشرح مختصر خليل، لأبي عبد الله المواق المالكي، 5/133، وانظر أيضًا: فتاوى اللقاء الشهري 76، للشيخ ابن العثيمين.
 
[7] انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب الرعيني المالكي، 1/505.
 
[8] منهاج السنة، لابن تيمية 6/76-77. وانظر تخريج الحادثة والحكم عليها في (الإرواء)، 6/348. وفي الانشراح في آداب النكاح، لأبي إسحاق الحويني، ص35. كما نشير إلى أننا نورد هذه الآثار وغيرها من الاجتهادات المرجوحة -أحيانا- لتبرئة الفقهاء من شبهة التحيز والذكورية؛ لا تقريرًا منا لها كاختيارات فقهية.
 
[9] الغاية والتقريب، لأبي شجاع مع شرحه الإقناع، 2/382.
 
[10] المُغني، لابن قدامة، 7/384.
 
[11] المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لمحمود البخارى بن مازه،  8/41.
 
[12] حاشية ابن عابدين،  3/603.

(1 موضوع)