حوارات ومقالات

لا اغتصاب بين الأزواج

وصلني خبر يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي عن موضوع حساس، ألا وهو العلاقة الخاصة بين الرجل وزوجته، وذلك بعد أن خرجت إحدى المطلقات على الملأ مدعية أن زوجها كان يعاشرها (دون رضاها)، وبدوره خرج زوجها لينفي هذا الاتهام عنه.
 
فانطلقت ألسنة حداد تنادي بمنع الزوج من معاشرة زوجته دون رضاها، مطالبين بسن قانون يمنعه من ذلك، وأطلقوا له عنوانًا أو (هاشتاقاً) سموه (اغتصاب الزوجات)!!
 
فأقول: من العناوين ما يكون خدّاعًا أو مشككًا، ومنها ما يكون جهلاً مركبًا، كهذا (الهاشتاق) الذي يسوّي بين حقً وباطل.
 
ميثاق غليظ
 
فعقد الزواج عقد غليظ، فحواه ومقصده إباحة استمتاع الزوجين أحدهما بالآخر، أما الاغتصاب فهو تعدٍ وقهر وجريمة دون أي حق، فلا يُستعار وصف توصف به جريمة لوصف ما هو حق؛ لذلك الأصح أن يُردّ عليهم: (#لا_ اغتصاب_للزوجات). 
 
ألا تدرين أيتها الزوجة أنك بقبولك الزواج من زوجك وافقت على معاشرته دائماً، وفي أي وقت، دون حاجة لتجديد الإذن في كل مرة.
 
وألا تدركين أن امتناعك عنه دون سبب معتبر يخالف العقد الذي وافقت عليه، ويدفع المودة التي بينكما، ويمنعه من عفاف نفسه. 
 
وأنت أيها الزوج ألم تقرأ أنه لا ينبغي لك الوقوع على امرأتك كما تقع البعير، وأنك إن فعلت نفرت منك، وأمتّ المودة والحب الذي بينكما.
 
فالحل عندكما أيها الزوجان تعالجانه معًا، ولن تعدما وسيلة إن صدقتما في ذلك. فعلاقتكما من أخفى العلاقات وأعقدها، ومن طبيعتها أن تحل مشاكلها بنفسها؛ لما بينكما من مودة وسكن ومصالح مشتركة.
 
ما الحل عند الضرر؟
 
أما إن جاوز الأمر الإصلاح، فإن الشريعة والقانون قد سبقا فأصدرا منذ عقود نظرية (التعسف في استعمال الحق)، والتي يدخل تحتها أي أذى أو ضرر يلحق أحد الزوجين من تعسف الطرف الآخر في أخذ حقه، وهذا هو الاستعمال القانوني الشرعي الصحيح لمثل هذه الحالات.
 
لأنه إن سرنا على منوالهم وسايرنا المطالبة بسن القوانين لكل ضرر في استعمال حق، لجاز إطلاق (هاشتاق #سرقة_الأزواج)، يُطالِب الأزواج فيه بمنع زوجاتهم من أخذ ما يلزمهن من مال من جيوب أزوجهن دون إذنهم، أو شرائهن أشياء دون إذن مسبق من أزواجهن! وكلاهما جائز شرعًا ما لم تبالغ فيه الزوجة أو تتعدى، مثله مثل التعدي في أي حق آخر، وإلا فمن أين جاءت نظرية التعسف في استعمال الحق.. تستطيع الزوجة كما يستطيع الزوج استعمالها قانونًا حين تأكد حدوث الضرر، أما الدعوى إلى سن قانون في مسألة دقيقة يصعب إثباتها كالعلاقة الخاصة بينهما، فما هو إلا طلب يؤدي إلى زيادة الشقاق، وتأجيج العداوة بين الزوجين، ونشر ما أُمرا بستره بين الناس.
 
أستقبح استعارة كلمة (اغتصاب) للعلاقة بين الزوجين، فلا يجوز أن يقاس أمر حلال بأمر حرام، ولا حتى في التوصيف، ويجب أن يتفرق بين الحلال والحرام في الأوصاف بشكل واضح، فإن حِلّ الاستمتاع بين الزوجين لا يشبه أبدًا ولا يقاس بتاتًا بحرمة الزنى أو كبيرة الاغتصاب.
 
عندما نتكلم عن عقد زواج فإننا نتكلم عن حقهما في ممارسة علاقتهما دون إذن مسبق، أما المطالبة بسن قانون يلزم الزوج بتقديم استدعاء لزوجته مسبق لتسمح له بالعلاقة بينهما! فتخيلوا معي بالله كيف سيثبت القانون إن كان الزوج قد أساء لزوجته عندما عاشرها! ومن سيشهد؟ وما الوصف الذي ستحكيه الزوجة في المحكمة عن ذلك؟! وما هو الفحص الذي سيجرى لها فتحكم المحكمة لها على أساسه؟! وما الحكم الذي سيحكم به القاضي؟! وأخيرًا ما الذي سيفيدهما من رفع مثل هذه الدعوى والعمل على إثباتها إلا انتهاء ما بينهما، وانتشار ما كان بينهما على أوسع نطاق!!
 
* المصدر: صفحة "مؤمنة العظم" بالفيسبوك، 25/6/2021، بتصرف يسير.
 
 
موضوعات ذات صلة:
 
 

(2 موضوع)

دكتوراة في أصول الفقه من جامعة أم القرى، مكة المكرمة.