حوارات ومقالات

"الكوتا" وفرض الاستقواء السياسي للمرأة

تجاوزت الحركة النسوية فكرة أنها حركة حقوقية، تطالب بحرية المرأة ومساواتها مع الرجل، إلى مفهوم أعم وأوسع، يحاول إعادة صياغة كل شيء -المفاهيم، التاريخ، اللغة، الرموز والفن، الفلسفة والأدب- استنادًا إلى رؤية أنثوية تتم في إطار الفكر النسوي، وتستفيد من فرضياته وتصوراته، وكان أبرز ما قام به الفكر النسوي في هذا الإطار هي محاولة ترسيخ عدد من المفاهيم والمصطلحات الجديدة، في محاولة لإعادة تشكيل الرؤية والثقافة السائدة في مجتمعاتنا وسماتنا النفسية والاجتماعية وخصائصنا الأخلاقية.
 
لذلك كان من الضروري كشف هذه المصطلحات وبيان حقيقتها ودلالتها المعرفية، وتأثيراتها على مداركنا وخصوصيتنا الثقافية. وفي هذا الإطار يأتي مصطلح (الكوتا النسائية)، وهو مصطلح يتم تداوله بشكل واسع ضمن تقارير ومقررات وبيانات وخطط العمل والسياسات والبرامج والمشاريع التي تتبناها أو تصدرها الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة. فما هو المقصود بهذا المصطلح؟
 
مفهوم الكوتا
 
كلمة كوتا (quota) مصطلح لاتيني الأصل، يقصد به نصيب أو حصة، استخدم هذا المصطلح بدرجة كبيرة للإشارة إلى تخصيص نسبة, أو عدد محدد من مقاعد الهيئات المنتخبة مثل: البرلمانات والمجالس البلدية للنساء، وذلك لضمان إيصال المرأة إلى مواقع التشريع وصناعة القرار. باعتبار الكوتا يمثل أحد الحلول المؤقتة، التي تلجأ إليها الدول والمجتمعات لتعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة. (1)
 
ارتبط هذا المصطلح تاريخيًا بما يسمى بـ(التمييز الإيجابي)، والذي أطلق لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية على سياسة تعويض الجماعات المحرومة (الأقلية السوداء) في ستينيات القرن الماضي, حيث تم تطبيق نظام حصص نسبية (كوتا)، ألزمت بموجبه المؤسسات التعليمية بتخصيص نسبة معينة من الطلاب المقبولين فيها للأقليات الأثنية (السوداء)، كما انتشر في بلدان أخرى كانت تشعر فيها الأقليات بأنها محرومة.
 
لكن الحديث عن الكوتا النسائية كمطلب حقوقي بدأ يستمد قوته ومشروعيته منذ انعقاد مؤتمر المرأة العالمي الرابع في بكين عام 1995م، والذي أقر وجوب اعتماد مبدأ الكوتا كتمييز إيجابي يساهم في تفعيل مشاركة المرأة في الحياة العامة، وصولاً إلى تحقيق نسبة لا تقل عن 30 في المئة في حدود السنة 2005م. واقترح نظام (الكوتا)،  كآلية يمكن استخدامها كحل مرحلي لمشكلة ضعف مشاركة النساء في الحياة السياسية، وعزوفهن عن المشاركة في مراكز صنع القرار، وللحد من الإقصاء وعدم تمثيلهن أو ضعف هذا التمثيل.
 
و"منذ ذلك الحين فقد استخدم هذا المصطلح بدرجة كبيرة للإشارة إلى تخصيص نسبة, أو عدد محدد من مقاعد الهيئات المنتخبة (البرلمانات والمجالس البلدية) للنساء، وذلك لضمان إيصال المرأة إلى مواقع التشريع وصناعة القرار، باعتبار الكوتا يمثل أحد الحلول المؤقتة، التي تلجأ إليها الدول والمجتمعات لتعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة". (2)
 
أنواع الكوتا
 
1- كوتا تعينية: ترتبط بالإرادة السياسية (القرار السياسي).
 
2- كوتا تشريعية أو القانونية أو الدستورية التمثيلية: تتطلب تغييرات دستورية وقانونية، حيث يتم من خلالها تخصيص نسبة محددة من المقاعد في المجالس التشريعية للنساء، مثل الكوتا المطبقة في العراق، حيث ينص الدستور العراقي على نسبة 25% من المقاعد تكون مخصصة للنساء في مجلس النواب، وأيضًا في الأردن حيث خصص القانون 10% من المقاعد للنساء.
 
3- كوتا ترشيحية: وهي التي قد تكون مقننة، فتجبر الأحزاب على ترشيح نسبة محددة من النساء على قوائمها، مثلما هو الحال في فلسطين، حيث نص قانون الانتخاب في عام 2005م على أنه "يجب أن تتضمن كل قائمة من القوائم الانتخابية المرشحة للانتخابات النسبية (القوائم) حداً أدنى لتمثيل المرأة، لا يقل عن امرأة واحدة من بين كل من: 1.الأسماء الثلاثة الأولى في القائمة، 2.الأربعة أسماء التي تلي ذلك، 3. كل خمسة أسماء تلي ذلك".
 
4- كوتا طوعية: وهي التي تتبناها الأحزاب في لوائحها، دون وجود نص قانوني ملزم، مثلما هو الحال في العديد من الدول الإسكندنافية، مثل: السويد، والنرويج، حيث تقوم المؤسسات والكيانات السياسية بتبني تطبيقها طوعيًا.
 
5- كوتا تنظيمية: تتبناها إجراءات تنفيذ السياسات والخطط العامة والقطاعية ضمن تنظيم عملها. (3)
 
مواقع تطبيق نظام الكوتا
 
1- المواقع القيادية (في كل مفاصل أجهزة الدولة التنفيذية، التشريعية، الهيئات الاستشارية، القضائية، اللجان) مركزيًا ومحليًا.
 
2- الهيئات القيادية للأحزاب والتنظيمات السياسية.
 
3- الترشيح في الانتخابات العامة (الرئاسية، البرلمانية، المجالس المحلية).
 
4- قيادة الأنشطة السياسية والمدنية والمجتمعية.
 
واقع الكوتا في البلاد العربية
 
بلغت نسبة دخول المرأة المؤسسات البرلمانية على المستوى العالمي 15.2%، وعلى مستوى العالم العربي 6.4%، وفقًا لإحصائيات برنامج الأمم المتحدة للتنمية.
 
وشهدت عدد من الدول العربية تطبيق نظام الكوتا النسائية، وذلك عن طريق تخصيص عدد معين من المقاعد لها في المجالس البرلمانية والتشريعية؛ لإشراكها في العملية السياسية، وفيما يلي نماذج لبعض الدول التي طبقت نظام الكوتا:
 
1- مصر:
 
وهي أول بلد عربي يُستخدم فيه نظام الكوتا، وذلك في عهد الرئيس عبد الناصر، وبموجب نص دستوري (بعد تعديل عام 1964). ثم تبنى التشريع المصري نظام الكوتا النسائية بالقانون رقم 21 لسنة 1979م، والذي أوجب تمثيل المرأة في البرلمان بحصة لا تقل عن 30 مقعدًا، بواقع مقعد لكل محافظة على الأقل، وقد شهد البرلمان المصري عام 1979م عددًا كبيرًا في تمثيل المرأة، فقد حصلت النساء على (35) مقعدًا، تم زيادتها إلى (36) مقعدًا عام 1984م.
 
إلا أن المحكمة الدستورية العليا قضت بعدم دستورية القانون رقم 21 لسنة 1979م؛ مما ترتب عليه إلغاء نظام الكوتا النسائية في مصر، رغم أن مصر تأخذ بنظام الكوتا العمالية، بأن تحدد حصة لا تقل عن 50% للعمال والفلاحين, وقد تراجع تمثيل المرأة في البرلمان المصري بشكل ملحوظ بعد إلغاء نظام الكوتا النسائية، حتى تم العودة لذلك النظام بمقتضي القانون رقم 149 لسنة 2009م بتخصيص دوائر انتخابية يتنافس عليها النساء فقط، وذلك بصفة مؤقتة لمدة فصلين تشريعيين، وبحيث تنتخب من هذه الدوائر (64) امرأة.
 
وبعد ثورة 25يناير 2011م، ألغت التشريعات اللاحقة على الثورة نظام الكوتا النسائية، ونتج عن ذلك تمثيل متدنى للنساء في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها مصر بعد 2011، حيث فازت (9) سيدات فقط، ويمثلن نسبة لا تزيد عن 7و1% من مقاعد البرلمان.
 
2- الأردن:
 
تمّ إقرار نظام الكوتا في الأردن، كمرحلة أوليّة نحو المشاركة السياسية للمرأة، ورفع عدد مقاعد الكوتا النسائية في الانتخابات الأخيرة إلى 15 مقعدًا، بحيث يكون لكل محافظة مقعد، ولكل دائرة من الدوائر الانتخابية مقعد واحد.
 
3- العراق:
 
خصص نسبة لا تقل عن (ربع) عدد الأعضاء لمجلس النواب، أي 25 %، وتمثل هذه النسبة في العراق أضعاف نسبة تمثيل المرأة في الكونغرس الأمريكي.
 
 4- المغرب:
 
خصص 30 مقعدًا من أصل 325 مقعدًا في البرلمان، وقد تمكنت 35 امرأة من دخول  مجلس النواب المغربي خلال الانتخابات البرلمانية التى أجريت فى 27 سبتمبر 2002م.
 
5- السلطة الفلسطينية:
 
أن تكون امرأة ضمن الأسماء الثلاثة الواردة في قائمة المرشحين.. وبين الأسماء الأربعة التي تلي .. والأسماء الخمسة التي تلي وهكذا.
 
6- السودان:
 
خصص نسبة تتراوح من 10 إلى 35 مقعدًا للنساء. (4)
 
نقد نظام الكوتا 
 
هناك عدد من الانتقادات التي توجه لنظام الكوتا، أبرزها ما يلي:
 
1- نظام يضر بالمصلحة العامة:
 
المعيار الوحيد لشغل أي مناصب قيادية يجب أن يكون الكفاءة وليس الجنس. ومن ثم فإن إقحام النساء عن طريق الكوتا لمجرد الوصول إلى تمثيل متساو بين الرجل والمرأة؛ لتحقيق استقواء المرأة، يضر بالمصلحة العامة؛ لأنه يوسد الأمر إلى غير أهله. (5) 
 
2- يناقض الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان:
 
نظام  الكوتا النسائية يخالف ويتناقض مع حقوق المساواة التي نصت عليه غالبية الاتفاقيات الدولية الأخرى، التي تؤكد على ضرورة المساواة وعدم التمييز بينهما لأي سبب كان. فالإعلان العالمي ينص في المادة 21 على أن "لكل فرد الحق في إدارة شؤون بلاده العامة، وأن لكل الأشخاص حق متساو في تقلد الوظائف العامة في بلاده". ونصت المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه "يتمتع كل مواطن بالحقوق والفرص التالية من دون أي وجه من وجوه التمييز:
 
- أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين مختارين بحرية.
 
- أن يَنتخب ويُنتخب في انتخابات نزيهة تجري دوريًا بالاقتراع العام، على قدم المساواة بين الناخبين، وبالتصويت السري، وتضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين.
 
- أن تتاح له، على قدم المساواة مع سواه عمومًا، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده".
 
وجاء في المادة الخامسة من الاتفاقية الدولية للقضاء على أشكال التمييز العنصري ما نصه: "تتعهد الدول الأطراف بمنع التمييز والقضاء عليه بأشكاله كافة، وضمان حقوق الجميع من دون أي تمييز على أساس العنصر أو اللون أو الأصل الوطني"، وكذلك أشار إلى الحقوق السياسية لاسيما حق المشاركة في الانتخابات -أي التصويت والترشيح للانتخابات- بالاقتراع العام المتساوي، وحق المشاركة في الحكومة، وإدارة الشؤون العامة على أي صعيد، وتقلد الوظائف العامة على قدم المساواة مع أي شخص آخر.
 
3- يكرس ديكتاتورية الفكر النسوي:
 
المجالس النيابية يفترض أن يتم شغلها بنظام الانتخاب الشعبي الحر، فتشغلها النساء أو الرجال، بأي نسبة كانت، بحسب قواعد النظم الديمقراطية، وفي النظام الديمقراطي لا جدال في ذلك طالما جاء الاختيار بناء على انتخابات حرة نزيهة. ولكن يأتي نظام الكوتا ليفرض على الناخبين عدد معين من النساء، فهذا تكريس لديكتاتورية الفكر النسوي، الذي يعمل على فرض النساء عنوة في البرلمانات؛ لضمان إدماج منظور الجندر في القوانين والتشريعات، وإلغاء كافة الفوارق بين الرجل والمرأة. (6). كما يدفع نظام الكوتا النسائية القطاعات الأخرى للمطالبة بحصة من مقاعد البرلمان، مثل: قطاع الشباب، المعلمين، التجار، المصنعين, المهمشين؛ مما يفقد العملية الديمقراطية جوهرها، ويحول العمل البرلماني إلى تمثيل فئات بدلاً عن تمثيل الأمة.
 
4- تعبير عن فشل المشروع النسوي:
 
نظام الكوتا يعبر عن إفلاس التيار النسوي على إقناع الجماهير المسلمة بأجندته الأممية، فعمل على تنفيذها من خلال الضغوط الدولية والخارجية؛ بإجبار الحكومات على سن القوانين والتشريعات التي تفرض دخول المرأة المعترك السياسي؛ لتصبح واقعًا مفروضًا على مجتمعاتنا الإسلامية، وهو في الوقت نفسه تناقض مع ما ينادي به هذا التيار من ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة، وعدم التمييز بينهما، وإلا لماذا لم ترشح المرأة مثلها مثل الرجل، دون تخصيص مقاعد لها؟ وفي هذا انتقاص واضح للمرأة، واتهامها بأنها لا تستطيع مواجهة الرجل، وتحتاج إلى قوانين تجبر ضعفها وعدم صمودها في المعترك السياسي. 
 
وعلى الرغم من ذلك، فدعاة النسوية يعتبرونها نصرًا وتقدمًا في مسيرة المرأة العربية، ويفاخرون به غيرهم، ويروجون له في وسائل الإعلام، فالكوتا النسائية في حقيقتها دليل فشل لأصحاب المشاريع النسوية، وتأكيد على لفظ المجتمعات لدعاويهم.
 
5- يناقض اتفاقية السيداو:
 
تتناقض هذه الكوتا كذلك، مع ما دعت إليه الاتفاقات الدولية التي يقف من ورائها التيار النسوي ذاته، فقد جاء في المادة السابعة من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) "تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد، وبوجه خاص تكفل للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، الحق: (أ)  التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، وأهلية الانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب أعضاءها بالاقتراع العام". (7)
 
____________
 
* المصدر: موقع لها أون لاين، 12/5/2015، بتصرف يسير.
 
(1) موسوعة ويكيبديا، الكوتا النسائية.
 
(2) الكوتا وتطبيقاتها في النظم الانتخابية، عبد السلام يحيى المحطوري، جامعة عدن، مركز المرأة للبحوث والدراسات.
 
(3) نظام الكوتا: نماذج وتطبيقات حول العالم، ورقة بحثية، نظرة للدراسات النسوية، وانظر الكوتا وتطبيقاتها في النظم الانتخابية، مرجع سابق.
 
(4) الكوتا النسائية.. حقّ من حقوق المرأة، مجلة حياتك، وانظر الكوتا وتطبيقاتها في النظم الانتخابية، مرجع سابق.
 
(5) أهم المصطلحات الواردة في أبرز الاتفاقيات والمواثيق الدولية للمرأة والطفل وخطورتها على الأسرة، ورقة مقدمة في مؤتمر الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة، إعداد كاميليا حلمي محمد.
 
(6) أهم المصطلحات الواردة في أبرز الاتفاقيات والمواثيق الدولية، مرجع سابق.الكوتا النسائية.
 
(7) التيار النسوي حينما يتناقض، عصام زيدان، موقع لها أون لاين.
 
 
موضوعات ذات صلة:
 
 
 
 
 

(12 موضوع)

كاتب وصحفي مصري