حوارات ومقالات

"جغرافية المصطلح" واتفاقيات الطفل الدولية

  • عدد المشاهدات : 635

مما لاشك فيه أن الظروف التاريخية التي شهدها العالم عقب حربين عالمتين في منتصف القرن العشرين، كانت تستوجب نشأة هيئة دولية لتحقيق السلم والأمن الدوليين، وتكفل التعاون بين شعوب المعمورة.. فجاءت هيئة الأمم المتحدة.
 
إلا أن الأمر الذي بات يثير القلق لدى الكثيرين أن هذه الهيئة صارت أداة طيعة في يد البعض من مبشري النظام العالمي الجديد(1) ، وأعداء الإنجاب والسكان(2)، والأنثويات، والذين اتفقت مصالحهم فركبوا جميعاً الجواد الرابح، وهو استثمار قضايا المرأة، فأصدروا ديناً جديداً ليكون مرجعية كونية قانونية، مع الادعاء بأن هذه المرجعية القانونية تمثل مشتركاً إنسانياً، بينما هو في حقيقة الأمر لا يعكس إلا تصورات ثقافية واحدة، وهي الثقافة الغربية، والتي وصل الغرب بسببها إلى حافة الهاوية، وبات مهدداً بالفناء، حاله في ذلك حال كل الأمم التي شاعت فيها الفواحش، فكان مصيرها الدمار والفناء.
 
ورغم ما يعانيه الغرب من ويلات، جراء هذه الإباحية، إلا انه يأبى أن يغرق وحده، ويصر على أن يجر العالم وراءه، في محاولات مستميتة لعولمة هذه الإباحية وتقنينها، وذلك عبر مؤتمرات دولية بات الهدف منها واضحاً هو: نسج شبكة من القوانين الملزمة دولياً لعولمة وتقنين القيم والسلوكيات المجتمعية الغربية، وخاصة فيما يتعلق بالأسرة.
 
لماذا التركيز على الطفل؟
 
ففي مجال الطفل، أصدرت الأمم المتحدة اتفاقية حقوق الطفل Convention on the Rights of the Child CRC عام 1989م، وهي اتفاقية دولية ملزمة، وبعد ثلاثة عشر عاماً، صدرت وثيقة عالم جدير بالأطفال A World Fit For Children WFFC، كوثيقة آليات وسياسات لتفعيل وتطبيق CRC.
 
وإذا كانت قضايا المرأة هي السهم الذي يُصوَّب لاختراق المجتمعات -ومن ثم عقدوا لها مجموعة من الاتفاقيات التي تزخر بكل ما هو شاذ عن الفطرة- فإن الطفل هو رأس هذا السهم، مع ملاحظة أن نفس الأجندة النسوية المطروحة في اتفاقيات المرأة، هي ذاتها المطروحة في اتفاقيات الطفل؛ وذلك لتغلغل الأنثويات Feminists في كافة الأجهزة والوكالات الدولية التي أنشأتها الأمم المتحدة United Nations لمراقبة الدول في تطبيق تلك الاتفاقيات، ومنها على سبيل الخصوص لجنة مركز المرأة(3) التي ركزت حديثاً على الطفل، فجاءت جلستها الحادية والخمسين بعنوان: "القضاء على كافة أشكال العنف والتمييز ضد الطفلة الأنثى"، ويرجع التركيز على الطفل في الآونة الأخيرة إلى:
 
أولاً: لأنه السبيل لتكوين ماتنشده الحركات الأنثوية، والتي تهدف إلى إيجاد (المرأة الجديدة)(4) و(الرجل الجديد)(5)، وهذا لن يتم إلا بإرضاع الطفل تلك القيم، مع لعبه وأكله وشربه، فيشب منذ صغره على التساوي التام بين الذكر والأنثى، وإلغاء كافة الفوارق بينهما، والإيمان بأن كل الأدوار يمكن أن يتقاسمها كل من الذكر والأنثى، أو حتى يتبادلانها.
 
ثانياً: أن المقاومة في هذا الشأن ستكون ضعيفة، خاصة إذا ما تم تقنين القيم المستهدف تنشئته عليها تحت دعاوى إنسانية، من قبيل الشفقة بالأطفال، والعمل على سعادتهم وحمايتهم، فمن الذي يستطيع أن يرفض ما يحقق الرفاهية للأطفال؟!
 
ضوابط تناول المصطلحات الوافدة
 
واتفاقية حقوق الطفل وغيرها من المواثيق الدولية، حافلة بالعديد من المفاهيم والمصطلحات النابعة من الثقافة الغربية، ولا يمكن فهمها فهماً صحيحاً إلا من خلال البيئة الأصلية التي أفرزتها، وهو ما يعرف (بجغرافية المصطلح).
 
وهذا مايحتم ضرورة أخذ ما يلي في الاعتبار:
 
أولاً: ضرورة تحديد المفاهيم (تحرير المصطلح):
 
والمتأمل في تراثنا الفكري يلاحظ مدى أهمية ضبط الكلمات والألفاظ، ولا سيما ما ارتبط منها بموقف فكري، لدرجة الحرص التام على الزام المسلمين بمصطلحات وألفاظ بعينها، والنهي عن الحيدة عنها أو تسميتها بغير مسمياتها، ولو كان التقارب بين اللفظين شديداً (لا تَقُولُوا رَاعِنَا وقُولُوا انظُرْنَا) [البقرة: 104].
 
ثانياً: الحذر عند نقل المفاهيم:
 
فنقل المفاهيم من بيئة ما، وإعادة استنباتها في بيئة حضارية مغايرة لا يؤتي نفس الثمار التي أتتها في بيئتها الأولى، وهو ما أطلق عليه المفكر الإيراني الشهير علي شريعتي "جغرافية الكلام"، أي أن كلاماً معيناً قد يكون صحيحاً في بيئة ما، فإذا تم نقله إلى بيئة أخرى لم يكن بدرجة الصحة التي كان عليها في بيئته الأولى.
 
ثالثاً: المعيارية:
 
إن المصطلحات والمفاهيم القادمة من بيئتها الأولى تصير "معياراً قياسياً"، تفهم وتفسر به الظواهر الاجتماعية في البيئة الثانية، ويُحكم به على مدى نجاحها أو إخفاقها بدرجة قربها منه.
 
رابعاً: انزواء المفاهيم الأصلية:
 
أثناء جلب المفاهيم من بيئة مغايرة، واعتبارها حَكَماً ومعياراً، تنشأً مشكلة في غاية الخطورة، وهي إنزواء المفاهيم الأصيلة للبيئة الثانية، وبقدر ما تتم عملية الإحلال والتبديل هذه بقدر ما يتم تجاهل مفاهيم البيئة الثانية.
 
لقد أوردت اتفاقيات الطفل العالمية، عدداً من المصطلحات المحورية، والتي تناسب بالدرجة الأولى البيئة التي أفرزتها، أي البيئة الغربية، وليس بالضرورة أن تناسب غيرها من البيئات، مثل التمييز والجندر والعنف والصحة الإنجابية... إلخ.
 
ومع ذلك فقد تم التأكيد عليها باستفاضة في البرامج التطبيقية الإقليمية والمحلية لكل الدول الموقعة عليها فى بلادنا العربية والإسلامية.
 
ولذلك صار لزاماً على كل غيور على دينه أن ينتبه ويحذر من الوقوع فى فخ من يطنطن بأن مشروعية القول بعالمية "النموذج الغربي" للطفل -والذي يخرج على ثوابت دينية- باتت معروفة، فمطالب الطفل الغربي ليست هي ذاتها مطالب كل طفل في العالم ، وبالأخص الطفل المسلم.
 
المصدر: موقع بوابتي، بتصرف، بتاريخ 27/ 3/ 2009.
 
________________
 
(1) والتي تبدو في الخطاب السياسي العربي ما أسموه بنهاية التاريخ، أي أن قيم الغرب وأفكاره ومناهجه أصبحت -في زعمهم- الحلقة الأخيرة من حلقات التاريخ البشري، وأن الأنظمة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية غير الغربية، ما عليها إلا الامتثال لهذه المناهج الغربية، وفي ضوء هذا تولد (صراع الحضارات)، أي صراع الغرب الديمقراطي ضد الإسلام الذي يمثل الخطر الأساسي على النظام العالمي.
انظر: فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسن أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1993. وصموئيل هينتجتون، صراع الحضارات، ترجمة طلعت الشايب، القاهرة، 1998.
 
(2) التزايد السكاني الهائل لسكان العالم الثالث، والذي من المتوقع أن يصبح 81% من سكان العالم عام 2010، بعد أن كانت هذه النسبة 75% من الستينات من القرن العشرين، ولايخفى أن العالم الإسلامي يشكل مساحة كبيرة من العالم الثالث. انظر المثني أمين الكردستاني، تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر، دا القلم، الكويت، 2004.
 
(3) هي جهاز معاون للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتختص بإعداد التقارير وتقديم توصيات خاصة بتحقيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة في كافة الميادين، ومن ثم إعداد البرامج والاتفاقيات الدولية، ورصد تنفيذ التدابير اللازمة لتحقيق تقدم مع تقييم ما تم انجازه للمرأة على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي. انظر: عصام محمد أحمد الزناتي، حماية حقوق الإنسان في إطار الأمم المتحدة، دار النهضة العربية، 1998، ص 133.
 
(4) أول من أطلق هذا المصطلح الروائية سارة جراند سنة 1894، تأثراً بفكرة (فتاة العصر) المتمردة، التي ابتدعها اليزالين لينتون سنة 1868، وهذه (المرأة الجديدة) تتطلع إلى التخلص من حياة البيت التقليدية بأدوارها النمطية من زواج وأمومة، دون الخضوع (للهيمنة الذكورية). المعجم النقدي ص 426.
وهذا لن يتم إلا من خلال استقواء المرأة اقتصادياً وسياسياً، والاستغناء جنسياً عن الرجل (عن طريق السحاق)، فالجنس يستغله الرجل لإذلال المرأة، فضلاً عن المخاطر المترتبة عليه بالنسبة لصحة المرأة (وفقاً للفكر الأنثوي)، لمزيد من التفاصيل عن التصورات حول هذه المرأة الجديدة، انظر: مجموهة إصدرات مركز دراسات المرأة الجديدة، نولة درويش.
 
(5) وهو الرجل الذي يتأثر بالفكر النسوي ومن ثم يمنح الأيدويولوجية النسوية تأييداً ضمنياً على الأقل، فنجده يتعاون في إعادة توزيع الأعباء المنزلية وواجبات رعاية الأطفال، المعجم النقدي ص425. بحيث يقبل اقتسامها مع المرأة أو تبادلها إن لزم الأمر.
 
 

(25 موضوع)

باحثة علوم سياسية، وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سابقًا