حوارات ومقالات

كيف ينظر الإسلام للمساواة والتباين بين الجنسين؟

إن الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام حديث عن أول وثيقة شرعت لهذه الحقوق؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ألقى خطبته الجامعة لمقاصد الإسلام ومبادئه العامة، ووضع في تلك الخطبة دستور العلاقات بين الناس بما فيها العلاقة بين الجنسين "الذكر والأنثى". وقد أثيرت أسئلة كثيرة عن تساوي الجنسين أو تفاوتهما في الحقوق في الإسلام، وهذه الورقة تحاول أن تستجلي الحقيقة، وتبين موقع كل من الرجل والمرأة فيما يتعلق بحقوقهما.
 
أولاً- مبادئ أساسية حول الرجل والمرأة في الشريعة الإسلامية:
 
1- وحدة النفس الإنسانية:
 
المستقرئ للآيات القرآنية الكريمة، ومثيلاتها في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم لموضوع خلق الإنسان، وطبيعة التكوين الجسماني له، يجد التركيز الدائم والإقرار بوحدة الخلق الإلهي للإنسان، في خلق الرجل والمرأة من مادة واحدة، وتماثلهما التام في الهيئة التكوينية، وهو ما تقرره الآيات الكريمة الآتية:
 
قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا} (النساء: 1). فهذه الآية تبين أن الزوجين خلقا من نفس واحدة، وتأتي بعدها الآيات الأخرى توضح طبيعة الخلق، كما في قوله تعالى: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى* من نطفة إذا تمنى} (النجم: 45-46)، وقال تبارك وتعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} (المؤمنون:12-14).
 
كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا يؤمر بأربع كلمات ويُقال له: اكتب عمله، ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" (رواه البخاري).
 
فهذا الحديث وغيره من النصوص تشير إلى أن خلق الله تبارك وتعالى لعباده أجمعين كان موحدًا، فلم يفرق بين رجل وامرأة، أو بين مؤمن وكافر، أو بين غني وفقير.
 
2. تكريم الله للإنسان دون تمييز:
 
واختص المولى تبارك وتعالى الإنسان من بين جميع مخلوقاته بالتكريم الرباني، فقال عز وجل: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} (الإسراء: 70 ). وأسكن آدم وزوجه الجنة، قال تبارك وتعالى: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} (البقرة: 35). فهذه من الأدلة على إكرام بني آدم رجالاً ونساءً.
 
ومشيئة الله تعالى في إكرام الإنسان، أمر قدري من الله تبارك وتعالى، وهذا أمر يجري على جميع الناس عند ولادتهم.. أي على الفطرة الأصلية، والفطرة مطابقة للدين. كما أن الله تعالى أحسن صور بني آدم نساء ورجالاً، قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} (التين:5)، وقال أيضًا: {وصوركم فأحسن صوركم} (غافر:64). وسخر له ما في الأرض جميعاً، وزوّده بالعقل المفكر، فقال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء: 70). 
 
ولم تفرق الآيات الكريمة بين الرجل والمرأة في ماهية التكريم، ولم تختص أو تميز الرجل بالتكريم دون المرأة. فالجميع عباد الله، ولكليهما أرسل وبعث الرسل والأنبياء؛ فلم تفرق أي رسالة من رسالات الأنبياء بين الذكر والأنثى، بل إن القرآن الكريم خص بالذكر الكثير من النساء العظيمات، فوردت فيهن قصص قرآنية تحمل الكثير من العبر والعظات، فهذه امرأة فرعون، وهذه أم موسى، وهذه مريم البتول، وغيرهن.
 
ثانيًا- المساواة في الحقوق والواجبات (التكاليف الشرعية):
 
إن نصوص القرآن والسنة تؤكدان على التكامل الفطري بين الرجل والمرأة من أجل القيام بوظيفتهما الوجودية في الاستخلاف، قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} (التوبة: 71)، هذا التكامل الذي يستوجب في الوقت نفسه وجود بعض نقاط التغاير والاختلاف كما سيأتي تبعًا، من حيث أنهما يشتركان ويتكاملان في القيام بالمسؤوليات والواجبات التي فرضها الله عليهما في هذه الدنيا. وليس هناك فرق بين المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والعلمية والفكرية وغيرها، إلا استثناءات حدّدها الشرع بدقة.
 
ولهذا أيضًا كان في شرع الله أحكام مشتركة بينهما، تتعلق بالواجبات التي يؤديانها ويشتركان فيها، كما أن في الشرع أحكام خاصة بكل واحد منهما مما ينسجم مع فطرته ويحافظ عليها.
 
فمما يشتركان فيه -إضافة إلى ما سبق- حقوقهما المتساوية في: الأهلية والذمة المالية مثلاً، وهي ما تسمى اليوم بالحقوق المدنية، فكلاهما مكلف وله أهليته المساوية تمامًا للجنس الآخر، ولكليهما ذمته المالية المستقلة له وحده، والمختصة به، فللمرأة مثل الرجل حقها الخالص في مالها أو مرتبها الشهري من عملها أو مالها من الميراث في أن تهبه أو تتصدق به أو تتصرف فيه كما تشاء ووقتما تشاء، متزوجة كانت أو عزباء؛ لأنه عمومًا "إن كانت المرأة بالغة يحق لها أن تتعاقد، وتتحمل الالتزامات، وتملك العقار والمنقول، ولا يحق لوليّها أن يتصرف أي تصرف قانوني في شيء من أموالها، إلا إذا أذنت له بذلك، أو وكلته في إجراء عقد بالنيابة عنها". وغيرها من الأمثلة في الزواج، وحقها في الاحتفاظ باسمها بعد الزواج، عكس الدول الغربية إذ إن المرأة بزواجها يلغى التعامل باسم والدها وتحمل لقب الزوج!
 
والرجل والمرأة متساويان في الجزاء الأخروي، يقول تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} (آل عمران: 195)، وقوله: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل: 97).. أي أن الثواب والعقاب يتساوى فيه كليهما دون نظر إلى جنسهما.
 
ثالثًا- مبدأ التغاير.. لا التفاضل:
 
إن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية والتكريم الرباني لكليهما، والتكامل والاشتراك في أداء الواجبات التي فرضها الشرع عليهما لم تجعل الشرع يهمل الفصل بين الاثنين فيما يتعلق بوظائفهما الفطرية والكونية، باعتبار ما ركب الله تعالى في كل منهما من فطرة تتضمن إمكانات واستعدادات بدنية وعقلية ونفسية تميز كل منهما عن الآخر.
 
وتبين الآية في قوله تعالى: {وليس الذكر كالأنثى} (آل عمران: 35)، أن المبدأ الذي تقرره الشريعة الإسلامية في الاختلاف بين الرجل والمرأة أو التمييز بينها لا يعدو أن يكون إلا بيانًا لأوجه التغاير ومميزات التفريق بين الجنسين، إضافة إلى تحديد أهم الفوارق الطبيعية أو الجبلية بينهما في ظل التكريم الرباني لكليهما، مع الأخذ بعين الاعتبار علة وجود هذا التفاضل.
 
رابعًا- مظاهر التفاوت بين الجنسين:
 
1. القوامة:
 
تعتبر القوامة هي المسؤولية الأولى للرجل، في قيامه على شؤون أسرته ومتطلباتها المعنوية والمادية، الداخلية منها والخارجية، وإن الزوجة والأم وإن كانت مطالبة بأداء دورها في شؤون البيت والأولاد وهو القوامة الداخلية البيتية، فإن الزوج مطالب بكليهما.
 
يقول محمد عبده في تفسير {وللرجال عليهن درجة}: "إن الله يوجب على المرأة شيئًا وعلى الرجال أشياء. ذلك أن هذه الدرجة هي درجة الرياسة والقيام على المصالح المفسرة بقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}، فالحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولابد لكل اجتماع من رئيس؛ لأن المجتمعين لا بد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يرجع إلى رأيه في الخلاف... والرجل أحق بالرياسة؛ لأنه أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ بقوته وماله". وهذه هي القاعدة العامة من دون الاستغناء عن شواهد التشاور بين الزوجين في أمور حياتهما، وتعاونها من أجل المقدرة على الإنفاق على أسرتهما، "وليس معنى القوامة على الأسرة أنه يجعل المرأة كمًا مهملاً لا تستشار في أمر".
 
2. الميراث:
 
جاء الإسلام وكرم المرأة تكريمًا لم تأت به شرائع سابقة في إعطائها حقها من ميراث الزوج أو الأب أو الأم، قال تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا} (النساء: 7).
 
وإن كانت القاعدة العامة في الميراث أن المرأة على النصف من الرجل، جاء قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} (النساء: 11)، وقال أيضا: {وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} (النساء: 176)؛ لأن المبدأ الشرعي قائم على أساس أن المرأة مكفولة لا كافلة، فمالها لها وحدها، ومال الرجل له ولها ولأقربائه أجمعين. "فالشريعة الإسلامية بمنح الذكر بعض الامتيازات، قد فرضت عليه مسؤوليات كثيرة، وكلفته بالنفقة على الزوجة والأطفال ورعاية الوالدين والأقربين، لقد حُمل أعباء كثيرة لا خيار له في ذلك، ومجازاته بذلك النصيب هو من أجل تعويضه عن التكلفة، بينما لم تكلف المرأة حتى بالنفقة على نفسها، ونصيبها يمكن ادخاره والاحتفاظ به".
 
 3. الشهادة:
 
هل لأن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل تعني أن المرأة مطعون في أهليتها، وقد عرفنا أن لها الأهلية الكاملة، أو هو طعن في إنسانيتها وكرامتها، وقد عرفنا أن كرامتها مثل كرامة الرجل، وأنها والرجل متساويان في الإنسانية ووحدة الخلق. إن علة ومقصد عدّ شهادتها بنصف شهادة الرجل لما تتصف به من صفات فطرية، فالضعف الذي تتصف به لا ينتقص منها، وإنما هذا الضعف هو قوتها وزخم عاطفتها، ولأن هذه العاطفة هي الصفة الغالبة في المرأة، فكانت علة للتخفيف عنها في بعض مسؤوليات الأمور الخطيرة.
 
4. الولاية في الزواج: 
 
عندما جعلت الشريعة الإسلامية الولاية على المرأة في أمر الزواج، ليس ذلك بسبب نقص فيها، ولكن لاعتبارات مهمة جدا، نلاحظها في آراء الفقهاء التالية:
 
- يرجع التعليل العقلي لمقصد الولاية في النكاح عند الشافعية إلى اعتبارات عرفية، قال الشربيني: "لا تملك المرأة مباشرة ذلك بحال لا بإذن ولا بغيره، سواء الإيجاب والقبول، إذ لا يليق بمحاسن العادات دخولها فيه". ولا فرق عند الشافعية بين تزويج المرأة نفسها بالكفء أو غير الكفء، "فالكفاءة المعتبرة في النكاح دفعًا للعار، وليست شرطًا في صحة النكاح، بل هي حق للمرأة والولي، فلهما إسقاطها".
 
- في حين أن الحنابلة ردوا الأمر إلى ما يرجع إلى صيانة كرامة المرأة ومروءتها. إذ يقول صاحب المغني: "والعلة في منعها صيانتها عن مباشرة ما يشعر بوقاحتها ورعونتها وميلها إلى الرجال، وذلك ينافي حال أهل الصيانة والمروءة".
 
- وأما تعليل المالكية، فنلحظ من رأي الإمام ابن العربي أنه تعليل مقصدي، حيث قال: "النكاح أصوله عند علمائنا خمسة: المتعاقدان المتأهلان لذلك، والصداق الذي يصلح أن يكون صداقًا، والولي للزوجة الذي يتولى العقد، والإعلان المفرق بينه وبين السفاح". ويعلل ابن العربي ما ذهب إليه المالكية بقوله: "فلم يجعل الله تعالى العقد إلى المرأة أولاً مخافة أن تغلب شهوتها عقلها فتضع نفسها في غير موضعها… ولما كانت فائدة الولي في النكاح حفظ المرأة من الوقوع في غير الكفء، فتلوث نفسها، وتلحق العار بحسبها". 
 
دلت آراء الفقهاء المشترطين للولي في عقد النكاح على استظهار مقاصد الشارع من اشتراط الولاية؛ بأن يتميز عقد الزواج عن غيره من العقود التي تشابهه معنىًا لا شرعًا؛ فالاتصال الجنسي الشرعي الذي تعتبره أحكام الشريعة هو الذي يظهر فيه قبول ولي المرأة خصوصًا؛ وإلا لما اشترط لصحة النكاح شرط الكفاءة في الحسب والنسب، "ولأن ذلك أول الفروق بين النكاح والزنا، والمخادنة، والبغاء، والاستبضاع، فإنها لا يرضى بها الأولياء في عرف الناس الغالب عليهم".

ويفصل الإمام الغزالي في مقصد الولاية بتوضيح رتبتها من أقسام المقاصد فيقول: "وتقييد النكاح بالولي لو أمكن تعليله بفتور رأيها في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لكان واقعًا في الرتبة الثانية (أي الحاجيات)، ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها في نكاح الكفء فهو في الرتبة الثالثة (أي التحسينيات)؛ لأن الأليق بمحاسن العادات استحياء النساء عن مباشرة العقد؛ لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، ولا يليق ذلك بالمروءة، ففوّض الشرع ذلك إلى الولي حملاً للخلق على أحسن الحاجات". (1)

5- حرمة تزوج المسلمة بغير المسلم:

 " المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج بيهودي أو نصراني.. والرجل المسلم له أن يتزوج بيهودية أو نصرانية.. ذلك أن للرجل حق القوامة على المرأة.. ولا يتأتى من الرجل المسلم أن يجرح مشاعر امرأته غير المسلمة، إذ هو مطالب في الإسلام أن يحترم كل الرسالات السابقة، وأن يؤمن بكل الأديان والأنبياء الذين بعثوا قبل الإسلام.. أما اليهودي والمسيحي فإنهما لا يؤمنان بالإسلام ولا بنبي الإسلام، وهما بهذا قد يطعنان ويجرحان دين زوجتهما المسلمة؛ مما يؤدي إلى شقاق دائم وخلاف مستمر".

6- الطلاق:
 
 لما أباح العلي القدير الطلاق جعله مشروعًا للرجل، فالطلاق حق للزوج، فهو الذي يوقع الطلاق إذا كانت الظروف تحتم وتلزم إيقاعه، وفي المقابل شرع الخلع حقًا للمرأة المتضررة؛ فالرجل يدفع متعة المطلقة، والمرأة تدفع بدل الخلع، كما شرع الفسخ وغيره من أنواع التفريق القضائي للمرأة المتضررة لأي سبب من الأسباب.
 
وإن آيات الطلاق أكثرها جاء الخطاب فيها موجهًا للزوج، قال تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} (الطلاق: 1)، وقال تبارك وتعالى: {ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} (البقرة: 226). قال ابن عاشور" فالتخلص قد يكون مرغوبًا لكلا الزوجين، وهذا لا إشكال فيه، وقد يكون مرغوبًا لأحدهما ويمتنع منه الآخر، فلزم ترجيح أحد الجانبين: وهو جانب الزوج؛ لأن رغبته في المرأة أشد، كيف وهو الذي سعى إليها، ورغب في الاقتران بها؛ ولأن العقل في نوعه أشد، والنظر منه في العواقب أسد...".
 
وأما أسباب جعله بيد الرجل فهي:
 
(1) قوامة الرجل: "ومن لوازم هذه القوامة أن يكون الطلاق بيد الرجل أيضًا
 
(2) تحمل الرجل وصبره: تختلف الخصائص الفطرية للإنسان من الرجال للنساء؛ فإن الرجال يتصفون بقوة التحمل، والصبر عند الشدائد، والتأني وكظم الغيظ، والتريث عند الغضب. أما النساء -لأن لديهن غريزة الأمومة- فإنهن اتصفن بالحنان والرأفة، ورهافة الحس، ورقة الشعور، والاندفاع وراء العواطف، وسرعة التأثر، وغيرها من الصفات الرقيقة؛ فلهذه الخصائص والطبائع جعل الطلاق بيد الرجل؛ لأنه سيفكر مليًا وبروية في التطليق، أما المرأة فإنها وبدافع الأحاسيس الفياضة فإنها لن تتوانى عن التطليق لأتفه الأسباب وأبسطها.
 
(3) تحمل الرجل للتبعات المالية للطلاق: يعتبر جعل الطلاق بيد الرجل شيئًا منطقيًا؛ لأن الزوج ومنذ الأيام الأولى للخطبة وحتى الطلاق هو المسؤول عن التبعات المالية للزواج، ومن بعده الطلاق، فهو الذي يدفع المهر، وهو الذي تجب عليه النفقة على الزوجة والأولاد، وهو الذي بعد الطلاق يدفع متعة المطلقة.. إضافة للنفقة، والتنازل عن بيت الزوجية لمطلقته طلاقًا رجعيًا، أو المبتوتة الحامل. فكان له حق الطلاق نظير ما سبق من التزامات مالية؛ لأن المرأة ليس لها أي التزام مادي أمام الزواج؛ فإنها لن تتوانى عن الطلاق متى شاءت، ولأي سبب كان، "وليس هناك ما يحملها على التروي والأناة، حيث لا تغرم شيئًا"، أما الزوج -ولأنه المسؤول ماديًا- فإنه يفكر مليًا قبل إيقاع الطلاق.
 
وإذا كان الطلاق شرع أصالة بيد الرجل للحكم السابقة الذكر، فإنه عند الإضرار بالمرأة، ورفض الزوج الطلاق، يمكنها اللجوء إلى الخلع كحل مقابل دفعها مقدارًا معينًا من المال لزوجها.
 
وأما الحل الثالث للتفريق بين الزوجين فهو الحكم القضائي، وهو في أكثره يعتمد على الفسخ بسبب عيب من العيوب، وغيرها من الأسباب، فيكون للقاضي حق التفريق بين الزوجين، أو تطليقهما، وفي هذا دلالة على أن الإسلام عندما جعل الطلاق بيد الرجل لم يبخس بحق المرأة، وإنما نظر في مصلحة الزوجين وأسرتهما؛ وإن تعسف الزوج في استعمال حقه فإن أمام الزوجة خيارين اثنين: إما أن تخالع نفسها، أو تلجأ للقضاء.
 
وفي الختام، يتأكد لنا أن "النساء شقائق الرجال"، ويستويان في الحقوق الإنسانية المتعلقة بالإنسان، من حيث هو إنسان، بغض النظر عن كونه ذكرًا أو أنثى، غير أنه "ليس الذكر كالأنثى"، فبينهما اختلافات فسيولوجية، واختلافات نفسية، واختلافات في شخصيتهما ودورهما الاجتماعي، وبالتالي فإن التسوية في بعض الأمور فيها ظلم وإجحاف، ولهذا فالمطلوب هو العدل وليس التسوية المطلقة، فبينهما تفاوت؛ حيث تختص المرأة بحقوق ويختص الرجل بحقوق أخرى، وليس بينهما تعارض، بقدر ما بينهما تكامل.
 
____________
 
*المصدر: موقع لها أون لاين، 5/10/2005.
 
(1) وخلافًا لرأي الجمهور، لا يرى الحنفية بأسًا في أن تولي المرأة نفسها في الزواج؛ لأن الولي ليس من شروط صحة عقد نكاح البالغة العاقلة، استنادًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، فالحديث جعل المرأة أحق من وليّها، "وليس للولي إلا مباشرة العقد إذا رضيت، ويترجح هذا بقوة سند الحديث والاتفاق على صحته"، ثم هذا العقد كغيره من العقود لها الحق الخالص فيه. يقول المرغيناني: "ووجه الجواز أنها تصرفت في خالص حقها، وهي من أهله لكونها عاقلة مميزة، ولهذا كان لها التصرف في المال، ولها اختيار الأزواج". ويرى السرخسي أن "المرأة إذا زوجت نفسها أو أمرت غير الولي أن يزوجها فزوجها جاز النكاح، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله تعالى سواء كانت بكرا أو ثيبا. إذا زوجت نفسها جاز في ظاهر الرواية سواء كان الزوج كفئا لها أو غير كفء، فالنكاح صحيح إلا أنه إذا لم يكن كفئا لها فللأولياء حق الاعتراض" .
 
 

(1 موضوع)

باحثة جزائرية، وأستاذة الفقه وأصوله المشارك في جامعة الملك فيصل بالأحساء، وأستاذة محاضرة بكلية الشريعة والقانون في جامعة العلوم الإسلامية بماليزيا، وخبيرة في قضايا الأسرة ومقاصد الشريعة الإسلامية.